تجلّي القرآن في نهج البلاغة - مصباح اليزدي، محمد تقي - الصفحة ٤٩

يوضّح علي ( عليه السلام ) المضمون الآنف الذكر بتشبيه رائع جداً ، ويدعو الناس للعمل بالقرآن وصيانة أحكامه الحياتية والدفاع عنها : ( فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ ، وَلا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ ، إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ ، وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ ، وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ ، وَمَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ ) [١] .

بعد بيانه ( عليه السلام ) للمطالب المتقدمة من أنّ القرآن دواء وعلاج لأعظم أدواء المجتمع ، يوصي الناس : باتّباعكم للقرآن تلمّسوا منه دواء أدوائكم ، وأقبلوا على الله بعملكم بالقرآن ، ولا تجعلوا القرآن وسيلةً للاستعانة بالآخرين .

ثم ينبّه ( عليه السلام ) من خطر ابتعاد الناس عن القرآن ، ويدعوهم إلى اتّباع هذا الكتاب السماوي ، والاقتداء به نظرياً وعملياً : ( يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَرَثَةِ الْقُرْآنِ ، فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ ، وَاسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ ) [٢] فعندما تقوم القيامة وتُبعث الخلائق للحساب ونيل العقاب والثواب ، ينادي منادٍ فيُخبر أهل المحشر بهذه الحقيقة قائلاً : أيّها الناس اعلموا ، أنّ كل إنسان مرهون اليوم بعاقبة عمله ومبتلى بآثار ومردودات ومحصول ما زرع ، إلاّ الذين صاغوا عقائدهم وأعمالهم وأخلاقهم في الدنيا على أساس تعاليم القرآن وتوجيهاته ، هؤلاء فقط الراضون عن عاقبة ونتيجة أعمالهم وأخلاقهم وعقائدهم ، ولا يشعرون بالغبن أبداً .

التنبيه والإيقاظ

إنّ حياة كل مخلوق ومن بين ذلك الإنسان محدودة ، فهذه الحياة تبدأ من نقطة زمانية معيّنة وتنتهي بالموت في نقطة زمانية محدّدة أيضاً ، والإنسان على امتداد هذه الفترة المحدّدة يعيش حالة الصيرورة ، وتمر شخصيته بحالة من الصياغة ، فتصبح شخصية



[١] نهج البلاغة : الخطبة ١٧٥ .


[٢] نفس المصدر السابق .