مفتاح العلوم - السّكّاكي - الصفحة ٥٢٧ - انموذج قرآنى
المعنى ، ويوعر مذهبك نحوه ، حتى يقسم فكرك ، ويشعب ظنك إلى أن لا تدري من أين تتوصل ، وبأي طريق معناه يتحصل ، كقول الفرزدق [١] :
|
وما مثله في الناس إلا مملّكا ... |
أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه |
أو كقول أبي تمام [٢] :
|
ثانيه في كبد السّماء ولم يكن ... |
كاثنين ثان إذ هما في الغار |
وغير المعقد هو : أن يفتح صاحبه لفكرتك الطريق المستوي ويمهده ، وإن كان في معاطف نصب عليه المنار ، وأوقد الأنوار ، حتى تسلكه سلوك المتبين لوجهته ، وتقطعه قطع الواثق بالنجح [٣] في طيته.
أنموذج قرآني :
وإذ قد وقفت على البلاغة ، وعثرت على الفصاحة المعنوية واللفظية ، فأنا أذكر على سبيل الأنموذج آية أكشف لك فيها عن وجوه البلاغة والفصاحتين ، ما عسى يسترها عنك ، ثم إن ساعدك الذوق أدركت منها ما قد أدرك من تحدوا بها ، وهي قوله ، علت كلمته : (وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[٤].
والنظر في هذه الآية من أربع جهات : من جهة علم البيان ، ومن جهة علم المعاني ، وهما مرجعا البلاغة. ومن جهة الفصاحة المعنوية ومن جهة الفصاحة اللفظية.
[١] أورده عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز ص ٨٤ وعزاه للفرزدق ، وبدر الدين بن مالك في المصباح ص ١٦٠.
[٢] أورده عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز ص ٨٤ وعزاه لأبي تمام ، وبدر الدين بن مالك في المصباح ص ١٦٠.
[٣] لعل المثبت هو الصواب ، وفي (ط) (البجح) بالباء الموحدة ، والجيم وفي (د) بالموحدة والحاء المهملة.
[٤] سورة هود ، الآية ٤٤.