مفتاح العلوم - السّكّاكي - الصفحة ٣٥٣ - تقييد الفعل
ولا تعرف حسن موقع هذا التعريض ، إلّا إذا نظرت إلى مقامه ، وهو تطلب إسماع الحق على وجه لا يورث طالبي دم المسمع مزيد غضب ، وهو ترك المواجهة بالتضليل والتصريح لهم بالنسبة إلى ارتكاب الباطل ، ومن هذا الأسلوب قوله تعالى : (قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ)[١] وإلا فحق النسق من حيث الظاهر : قل : لا تسئلون عما عملنا ، ولا تسأل عما تجرمون ، وكذا ما قبله : (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)[٢].
وهذا النوع من الكلام يسمى المنصف ، و [إما][٣] للتفاؤل وإما لإظهار الرغبة في وقوعه ، كما تقول : إن ظفرت بحسن العاقبة ، فذاك ، وعليه قوله تعالى (وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً)[٤] وما شاكل ذلك من لطائف الاعتبارات ، وقولهم : رحمهالله ، في الدعاء من هذا القبيل ، ومن ههنا تتنبه لنكتة يتضمنها تفاوت الشرطين في (فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ)[٥] ماضيا في" جاءتهم الحسنة" ومستقبلا في" تصبهم سيئة". أو إبراز المقدر في معرض الملفوظ به لانصباب الكلام إلى معناه ، كما في قولك : إن أكرمتني الآن ، فقد أكرمتك أمس ، مرادا به إن تعتد بإكرامك إياي الآن ، فاعتد بإكرامي إياك أمس.
[١] سورة سبأ الآية ٢٥.
[٢] سورة سبأ الآية : ٢٤.
[٣] في (غ) ، (وما).
[٤] سورة النور الآية ٣٣.
[٥] سورة الأعراف الآية ١٣١.