مفتاح العلوم - السّكّاكي - الصفحة ٤٧٣ - الفصل الثاني المجاز اللغوى الراجع إلى المعنى الخالى عن المبالغة فى التشبيه
الفصل الثاني
المجاز اللغوي الراجع إلى المعنى المفيد الخالي عن المبالغة في التشبيه
هو أن تعدي الكلمة عن مفهومها الأصلي بمعونة القرينة إلى غيره لملاحظة بينهما. ونوع تعلق ، نحو : أن تراد النعمة باليد ، وهي موضوعة للجارحة المخصوصة لتعلق النعمة بها ، من حيث إنها تصدر عن اليد ، ومنها تصل إلى المقصود بها ، وكذا إذا أردت القوة أو القدرة بها ، لأن القدرة أكثر ما يظهر سلطانها في اليد ، وبها يكون البطش ، والضرب والقطع ، والأخذ والدفع ، والوضع والرفع ، وغير ذلك من الأفاعيل التي تخبر فضل أخبار عن وجود القدرة ، وتنبىء عن مكانها أتم إنباء ، ولذلك تجدهم لا يريدون باليد شيئا لا ملابسة بينه وبين هذه الجارحة ، ونحو أن تراد المزادة بالرواية ، وهي في الأصل اسم للبعير الذي يحملها ، للعلاقة الحاصلة بينها وبينه بسبب حمله إياها ، أو أن يراد البعير بالحفض ، وهو متاع البيت ، بنحو من الجهة المذكورة ، ونحو أن يراد الرّجل بالعين إذا كان ربيئة من حيث أن العين لما كانت المقصودة في كون الرجل ربيئة ، صارت كأنها الشخص كله ؛ ونحو أن يراد النبت بالغيث ، كما يقولون : رعينا غيثا ، لكون الغيث سببا ؛ ونحو أن يراد الغيث بالسماء ، لكونه من جهتها ، يقولون : أصابتنا السماء ، أي الغيث ؛ ونحو أن يراد الغيث بالنبات ، كقولك : أمطرت السماء نباتا ، لكون الغيث سببا فيه أو بالسنام كقول من قال [١] :
أسنمة الآبال في سحابه
ومن هذا تعرف وجه تفسير من فسر إنزال أزواج الأنعام في قوله تعالى : (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ)[٢] بإنزال الماء ، لا سيما إذا نظر إلى ما ورد ، من أن كل ماء في الأرض فهو من السماء ، ينزله جل وعلا منها إلى الصخرة ، ثم يقسمه ؛ وقيل :
[١] أورده القزوينى في الإيضاح (٤٠١) بلا عزو وذكر صدر البيت :
أقبل في المسنّن من ربابة
، والطيبى في التبيان (١ / ٢٩٣) بتحقيقى.
[٢] سورة الزمر الآية ٦.