مفتاح العلوم - السّكّاكي - الصفحة ٤٠٧ - حكم لا العاطفة
ويعوا ، راكبا في ذلك كل صعب وذلول ، أبرز لذلك ، في معرض من ظن أنه يملك غرس الإيمان في قلوبهم ، مع إصرارهم على الكفر ، فقيل له : خ خ لست هناك (إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ)[١] وقوله عز وعلا : (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[٢] مصبوب في هذا القالب.
وطريق (إنما) يسلك مع مخاطب في مقام لا يصر على خطئه ، أو يجب عليه أن لا يصر على خطئه ، لا تقول : إنما زيد يجيء ، أو إنما يجيء زيد ، إلا والسامع متلق كلامك بالقبول ، وكذا لا تقول : (إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ)[٣] ، إلا ويجب على السامع أن يتلقاه بالقبول ، والأصل في (إنما) أن تستعمل في حكم لا يعوزك تحقيقه ؛ إما لأنه في نفس الأمر جلي ، أو لأنك تدعيه جليّا.
فمن الأول قوله تعالى : (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها)[٤] وقوله : (إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ)[٥] وقوله : إنما يعجل من يخشى الفوت ، وقولك للرجل الذي ترققه على أخيه ، وتنبهه للذي يجب عليه من صلة الرحم ، ومن حسن التحفي : إنما هو أخوك ، ولصاحب الشرك : (إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ)[٦].
ومن الثاني قول الشاعر [٧] :
|
إنما مصعب شهاب من الله ... |
تجلّت عن وجهه الظّلماء |
[١] سورة فاطر الآية ٢٣.
[٢] سورة الأعراف الآية ١٨٨.
[٣] سورة النساء الآية : ١٧١.
[٤] سورة النازعات الآية ٤٥.
[٥] سورة الأنعام ، الآية : ٣٦.
[٦] سورة النساء الآية : ١٧١.
[٧] أورده بدر الدين بن مالك في المصباح ص (٩٨) وهو لابن قيس الرقيات يمدح مصعب بن الزبير العوام ، وفخر الدين الرازى في نهاية الإيجاز (٣٦١) ، ومحمد بن علي الجرجاني في الإشارات (٩٥).