مفتاح العلوم - السّكّاكي - الصفحة ٢٩٩ - الالتفات
|
وبات وباتت له ليلة ... |
كليلة ذي العاثر الأرمد |
|
|
وذلك عن نبأ جاءني ... |
وخبرته عن أبي الأسود |
فالتفت في الأبيات الثلاثة.
وأمثال ما ذكر أكثر من أن يضبطها القلم ، وهذا النوع قد يختص مواقعه بلطائف معان قلما تتضح إلا لأفراد بلغائهم ، أو للحذاق المهرة في هذا الفن ، والعلماء النحارير ، ومتى اختص موقعه بشيء من ذلك ، كساه فضل بهاء ورونق ، وأورث السامع زيادة هزة ونشاط. ووجد عنده من القبول أرفع منزلة ومحل ، إن كان ممن يسمع ويعقل (وَقَلِيلٌ ما هُمْ)[١] : (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ)[٢].
ولأمر ما وقع التباين الخارج عن الحد بين مفسر لكلام رب العزة ومفسر ، وبين غواص في بحر فرائده وغواص ، وكل التفات وارد في القرآن ، متى صرت من سامعيه ، عرفك ما موقعه.
وإذا أحببت أن تصير من سامعيه فأصخ [٣] ، ثم ليتل عليك قوله تعالى : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)[٤] فلعلك [ممن][٥] يشهد له الوجدان بحيث يغنيه عن شهادة ما سواه ، [أليس][٦] أن المرء إذا أخذ في استحضار جنايات جان متنقلا فيها عن الإجمال إلى التفصيل ، وجد من نفسه تفاوتا في الحال بيّنا ، لا يكاد يشبه آخر حاله هناك أولها ، أو ما تراك إذا كنت في حديث مع إنسان ، وقد حضر مجلسكما من له جنايات في حقك ،
[١] اقتباس من سورة ص ، الآية ٢٤.
[٢] اقتباس من سورة الفرقان ، الآية : ٤٤.
[٣] أصخ : أي استمع وأنصت.
[٤] سورة الفاتحة ، الآية ٤.
[٥] في (ط) وفي (د): (أليس مما).
[٦] من (غ).