دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٣١٦ - ٢ ـ معجزات المسيح
وحرمت عليهم شحوم الإبل فأحلت لهم فيما جاء به عيسى ، وفي أشياء من السمك وفي أشياء من الطير ، مما لا صيصة له ، وفي أشياء أخرى حرمها عليهم وشدد عليهم فيها ، فجاء عيسى بالتخفيف منه في الإنجيل ، وهذا يدل على أن الإنجيل مشتمل على أحكام تغاير ما في التوراة ، وأن شريعة عيسى نسخت بعض شريعة موسى ، ولا يخل ذلك بكونه مصدقا للتوراة ، فإن النسخ بيان لانتهاء زمان الحكم الأول ، لا رفع وإبطال [١].
هذا وقد جاء في إنجيل متى ، على لسان السيد المسيح ، «لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس والأنبياء ، ما جئت لأنقض بل لأكمل ، فإن الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل» [٢] وليس هناك من شك في أن التصديق بالكتب السابقة يعني أن الكتب المتأخرة إنما هي تجديد للمتقدمة وتذكير بها ، فلا تبدل معنى ولا تغير حكما ، وإنما الواقع غير ذلك ، فقد جاء الإنجيل بتغيير بعض أحكام التوراة ، كما جاء القرآن بتبديل بعض أحكام الإنجيل ، ولكن يجب أن يفهم أن هذا وذاك لم يكن من المتأخرة نقصا للمتقدم ، ولا إنكارا لحكمة أحكامه في إبانها ، وإنما كان وقوفا عند وقتها المناسب ، وأجلها المقدر [٣] ، ومن هنا كان قول سيدنا رسول الله صلىاللهعليهوسلم : إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق» [٤].
وهكذا يمكن القول أن الإنجيل إنما كان نفحة إحياء وتجديد لروح الدين ، وتهذيب لضمير الإنسان ، بوصلة مباشرة بالله من وراء النصوص ،
[١] تفسير روح المعاني ٣ / ١٧١ ، تفسير الطبري ١ / ٢٨٢.
[٢] إنجيل ٥ / ١٧ ـ ١٨.
[٣] محمد عبد الله دزار : الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان ـ القاهرة ١٩٦٩ ص ١٨٥ ـ ١٨٦.
[٤] عبد الحليم محمود : دلائل النبوة ومعجزات الرسول ـ القاهرة ١٩٧٤ ص ٤٦٢.