دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٢٩٢ - الفصل الثاني مولد المسيح
قوله تعالى : (قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) وجوه ، أحدها : أرادت إن كان يرجى منك أن تتقي الله ويحصل ذلك بالاستعاذة بالله ، فإني عائذة به منك ، وهذا في نهاية الحسن لأنها علمت أنه لا تؤثر الاستعاذة إلا في التقي ، وهو كقوله : (وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، أي أن شرط الإيمان يوجب هذا ، لا أن الله يخشى في حال دون حال ، وثانيها : أن معناه ما كنت تقيا حين استحللت النظر إلي وخلوت بي ، وثالثها : أنه كان في ذلك الزمان إنسان فاجر اسمه «تقي» يتبع النساء فظنت مريم أن ذلك الشخص المشاهد هو ذلك التقي ، والأول هو الوجه [١] ، ومن ثم ذهب الألوسي إلى أن من قال إن «تقيا» اسم رجل صالح أو حتى طالح ، ليس بسديد [٢].
وعلى أية حال ، فلقد أخبرها جبريل عليهالسلام أن الله تعالى أرسله إليها ليهب لها غلاما زكيا ، يكون له شأن عجيب ، ويهبه الله النبوة والحكمة وحينئذ تملكها العجب ، وأدركتها شجاعة الأنثى المهددة في عرضها ، فتسأل في صراحة (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) ، ويبدو من سؤالها أنها لم تكن تتصور حتى اللحظة وسيلة أخرى لأن يهبها غلاما ، إلا الوسيلة المعهودة بين الذكر والأنثى ، وهذا هو الطبيعي بحكم التصور البشري ، (قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا) [٣]. وفي سورة آل عمران تفصيل أكثر عن الغلام المبشر به (قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ) [٤] ، وهكذا بشرت الملائكة مريم بكلمة من الله اسمه المسيح
[١] تفسير الفخر الرازي ٢١ / ١٩٧ ـ ١٩٨.
[٢] تفسير روح المعاني ١٦ / ٧٧.
[٣] سورة مريم : آية ٢٠ ـ ٢١ ، في ظلال القرآن ٤ / ٢٣٠٦.
[٤] سورة آل عمران : آية ٤٥ ـ ٤٦ ، وانظر : تفسير الطبري ٣ / ٢٦٩ ـ ٢٧٣ ، تفسير ابن كثير ١ / ـ