دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ١٠٢ - ٣ ـ من معجزات سليمان
نزيد هذا إيضاحا حتى لا ندخل في أساطير لا ضابط لها ولا تحقيق [١].
ومنها (رابعا) أن الله تعالى سخر لسليمان طائفة من الجن ومردة الشياطين يعملون له الأعمال التي يعجز عنها البشر ، كبناء الصروح الضخمة والقصور العالية والقدور الراسيات ، والجفان التي تشبه الأحواض ، كما قال تعالى : (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ، وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ، يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ ، اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) [٢] ، هذا والمحاريب ، كما هو معروف ، من أماكن العبادة ، والتماثيل الصور من نحاس وخشب وغيره ، والجواب جمع جابية وهي الحوض الكبير الذي يجبى فيه الماء ، وقد كانت الجن يصنعون لسليمان جفانا كبيرة للطعام تشبه الجوابي ، قيل كان يجتمع على جفنة واحدة ألف نفس ، كما كانت تصنع له قدروا ضخمة للطبخ راسية لضخامتها ، لا تنقل لكبرها ، وإنما يغرف منها في تلك الجفان ، وهذه كلها نماذج مما سخر الله الجن لسليمان لتقوم له به حيث شاء بإذن الله ، وكلها أمور خارقة لا سبيل إلى تصورها أو تعليلها ، إلا بأنها خارقة من صنع الله ، وهذا هو تفسيرها الواضح الوحيد [٣]. وقال تعالى : (وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ) ، وهذا العمل فيه احتمال قوي أن يكون من قبيل المعجزات ، بل هو معجزة ، ذلك لأن التحكم في جماعات الشياطين واستخدامهم في الغوص ، وعمل الأعمال التي دون الغوص ، وحفظ الله تعالى لهم ، ليكونوا تحت أمره عليهالسلام خاصة ، إنما هو أمر ظاهر في الإعجاز [٤].
[١] في ظلال القرآن ٥ / ٢٨٩٨.
[٢] سورة سبأ : آية ١٢ ـ ١٣.
[٣] في ظلال القرآن ٥ / ٢٨٩٩. وانظر : تفسير الفخر الرازي ٢٥ / ٢٤٨.
[٤] عويد المطرفي : المرجع السابق ص ٧٨.