دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٨٣ - الفصل الرابع داود بين آي الذكر الحكيم وروايات التوراة
ولكن : ما هو رأي التوراة في داود عليهالسلام؟
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة ، بادئ ذي بدء ، إلى أن التوراة تنظر إلى داود ، على أنه ملك اليهود القدير ، قبل أن يكون نبي الله ورسوله الكريم ، ومن ثم فإنها لم ترتفع إلى مستوى داود النبي ، الأمر الذي صوّره القرآن في جلاء ووضوح ، وإن حاولت في بعض الأحايين أن تتخلص من السقوط المريع الذي وصلت إليه بشأن النبي الأواب ، فوصفته بما يتفق إلى حد ما ومكان النبوة السامي ، كما نرى في بعض آيات من أسفار صموئيل الثاني (٨ ، ٢٢ ـ ٢٥) والملوك الأول (٣ ـ ١٦ ، ١٤ ، ١١ ، ١٥) والملوك الثاني (١٨) وأخبار الأيام الأول (٢٨ ـ ٥) وإشعياء (٣ ، ٥٥ ـ ٦) وهوشع (٣) وغيرها.
وعلى أية حال ، فليست هناك صورة تجمع بين النقيضين اللذين لا التقاء بينهما ، كالصورة التي تقدمها التوراة عن داود عليهالسلام ، ملك اليهود القدير ، فهو الشجاع قاتل جالوت (جليات) الجبار بمقلاعه دون سيف في يده [١] ، وبدا يصبح مطاردا من الفلسطينيين يوما ما ، ولكنه سرعان ما يشترك معهم في حروبهم ضد عدوهم يوما آخر ، بل ويضع سيفه تحت تصرفهم ضد مواطنيه اليهود [٢] ، وهو يعمل حامل سيف طالوت (شاؤل) الإسرائيلي يوما ما ، ثم حارسا للملك الفلسطيني «أخيش» يوما آخر ، [٣] ، وهو قد بدأ حكمه تحت سيادة الفلسطينيين ، ثم أنهاه وقد قضى على نفوذهم في المناطق الإسرائيلية تماما ، وهو عدو شاؤل (طالوت) اللدود ، ثم هو في نفس الوقت زوج ابنته ، وحبيب ولده «يوناثان» ، وكثير من فتيان وفتيات
[١] صموئيل أول ١٧ / ٥٠.
[٢] صموئيل أول ٢٩ / ٢ ـ ١٢.
[٣] صموئيل أول ٢٨ / ١ ـ ٢.