دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٢٦٨ - ٣ ـ استشهاد يحيى
قبل ، وليس كما يقول إنجيل متى «لأنه كان عندهم مثل نبي» [١] أو أنه «رجل بار وقديس» كما يقول إنجيل مرقس [٢] ، (وثانيا) لما ذا يمنع يوحنا المعمدان [٣] هذا الزواج ، ومبلغ علمي أن التوراة ، والتي كان على شريعتها كل من هيرودوس وهيروديا ، لا تمنع ذلك الزواج ، بل تفرضه على المؤمنين بها ، بل إنها إنما تفرض كذلك أن ينسب الأبناء من هذا الزواج الجديد إلى الأخ المتوفي [٤] وإذا كان ذلك صحيحا فإن التفسير الآنف الذكر للحدث الخطير المحزن إنما هو تفسير أناجيل النصارى ، وما كان هيرودوس نصرانيا ، إنما كان ملكا يهوديا آدوميا على مملكة آدومية يهودية ، فالتاريخ حتى تلك اللحظة ما كان يتعامل مع ملوك أو حتى شعوب نصرانية ، كما أن يحيى عليهالسلام لم يكن نصرانيا حتى يفتى بشريعة النصارى ، بل إن السيد المسيح نفسه لم يكن حتى ذلك الوقت قد بعث رسولا نبيا ، وبالتالي لم يكن يحكم بشريعة الإنجيل ، ومن ثم فلا بد أن يكون هناك سبب آخر يمنع هذا الزواج ، وهنا نجد رواية تذهب إلى أن هيرودوس إنما كان قد ألقى بأخيه فيلبس ، زوج هيروديا ، في غياهب السجون ، ثم أمر به فقتل ، ثم أراد أن يتزوج من امرأته ، ولعل هذا هو السبب في ثورة النبي الكريم على هذا الزواج ومعارضته بشدة [٥].
على أن المراجع العربية إنما تقدم روايات تختلف عن الرواية السابقة ، فتذهب في أسباب قتل يحيى عليهالسلام إلى أن ملك دمشق وقت
[١] متى ١٤ / ٥.
[٢] مرقس ٦ / ٢٠.
[٣] يسمى النصارى يحيى عليهالسلام «يوحنا المعمدان» ، فأما يوحنا فهو اسمه ، وأما المعمدان ، فلأنه ، طبقا لما جاء في الأناجيل ، إنما كان يعمّد القوم ، أي يغسلهم في نهر الأردن للتوبة من الخطايا ، وقد عمّد يحيى السيد المسيح نفسه (متى ٣ / ١ ـ ١٦).
[٤] سفر التكوين ٣٨ / ٦ ـ ١١.
[٥] محمد بيومي مهران : إسرائيل ٢ / ١١٤٧ ـ ١١٤٩.