دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٢٥٨ - ١ ـ زكريا
السلام بعد البشارة بولادته ، وهي أعلى من الأولى ، كقوله تعالى لأم موسى : (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [١] ، وأما الصلاح فالمراد به هنا ما فوق الصلاح الذي لا بد منه في منصب النبوة البتة من أقاصي مراتبه ، وعليه مبنى دعاء سليمان عليهالسلام : (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ) [٢] ، وذلك لأن للأنبياء قدرا من الصلاح لو انتقص لانتفت النبوة ، فذلك القدر بالنسبة إليهم يجري مجرى حفظ الواجبات بالنسبة إلينا ، ثم بعد اشتراكهم في ذلك القدر تتفاوت درجاتهم في الزيادة على ذلك القدر ، وكل من كان أكثر نصيبا منه كان أعلى قدرا [٣].
وعودا على بدء ، إلى زكريا عليهالسلام ، ذلك أن النبي الكريم قد عجب من أن يكون له غلام ، على كبر سنه ، وعقم زوجته ، فقيل له كذلك يفعل الله ما يشاء ، وطلب آية من ربه تدل على حمل امرأته ، فقيل له آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ، مع أنك سوى صحيح ، والغرض أن يأتيه مانع سماوي يمنعه من الكلام بغير ذكر الله ، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى : (قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً ، وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ، قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ، وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ، قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ، قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) [٤] ، وقد ذكر المفسرون في تفسير الآية الأخيرة (مريم : آية ١٠) [٥] وجوها ، أحدها : أنه تعالى حبس لسانه ثلاثة أيام ، فلم يقدر أن يكلم الناس إلا رمزا ، والرمز : الإشارة باليد أو بالرأس أو بغيرهما ، قال الطبري : الإيماء
[١] سورة القصص : آية ٧.
[٢] سورة النمل : آية ١٩.
[٣] تفسير الفخر الرازي ٨ / ٣٧.
[٤] سورة مريم : آية ٨ ـ ١٠ ، وانظر : سورة آل عمران : آية ٤٠ ـ ٤١.
[٥] وكذا : آية آل عمران ٤١ (أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً).