دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٢٥١ - ١ ـ زكريا
بأمر المال ، كما يشتد بأمر الدين ، وقيل لعله أوتي من الدنيا ما كان عظيم النفع في الدين ، فلهذا كان مهتما به [١].
هذا وقد استدل الشيعة بالآية (يرثني ويرث من آل يعقوب) على أن الأنبياء عليهمالسلام تورث عنهم أموالهم ، لأن الوراثة حقيقة في وراثة المال ، ولا داعي إلى الصرف عن الحقيقة ، وقد ذكر الجلال السيوطي في الدر المنثور عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبي صالح أنهم قالوا في الآية : يرثني مالي ، وأخرج عبد الرازق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن أنه صلىاللهعليهوسلم قال في الآية : «يرحم الله تعالى أخي زكريا ما كان عليه من ورثة» ، وفي رواية : ما كان عليه ممن يرث ماله» ، وقال بعضهم : إن الوراثة ظاهرة في ذلك ولا يجوز هاهنا حملها على وراثة النبوة لئلا يلغوا قوله : (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) ، ولا على وراثة العلم لأنه كسبي ، والموروث حاصل بلا كسب ، ومذهب أهل السنة أن الأنبياء عليهمالسلام لا يرثون مالا ، ولا يورثون ، لما صح عندهم من الأخبار [٢].
وعلى أي حال ، فإن زكريا ، النبي الصالح ، إنما يختم دعاءه : (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) ، وهكذا يصور أمله في ذلك الوريث الذي يرجوه في كبرته بأن يجعله الله تعالى رضيا ، لا جبارا ولا غليظا ، ولا متبطرا ولا طموعا ، ولفظة «رضى» إنما تلقي هذه الظلال ، فالرضى هو الذي يرضى ويرضى ، وينشر ظلال الرضى فيما حوله ومن حوله ، يقول الطبري : واجعل يا رب الولي الذي تهبه لي مرضيا ترضاه أنت ويرضاه عبادك ، دينا وخلقا وخلقا [٣].
ويتقبل الله ، سبحانه تعالى ، دعاء عبده زكريا ، وتحدث الاستجابة
[١] تفسير الفخر الرازي ٢١ / ١٨٤.
[٢] تفسير روح المعاني ١٦ / ٦٤ (بيروت ١٩٧٨).
[٣] في ظلال القرآن ٤ / ٢٣٠٢ ، تفسير الطبري ١٦ / ٤٩.