دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ١٤٩ - الفصل الثالث سليمان وملكة سبأ
مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) [١].
هذا وقد اختلف المفسرون والمؤرخون في قصد سليمان عليهالسلام من استحضار عرشها قبل مجيئها مسلمة مع قومها ، كما اختلفوا كذلك في هذا الذي عنده علم من الكتاب ، والذي قال : (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) ، فأما عن الهدف من استحضار العرش ، فذهب رأي إلى أنه وسيلة لعرض مظاهر القوة الخارقة التي تؤيده لتؤثر في قلب الملكة وتقودها إلى الإيمان بالله والإذعان لدعوته ، ويقول الفخر الرازي : واختلفوا في غرض سليمان عليهالسلام من إحضار ذلك العرش على وجوه ، أحدها : أن المراد أن يكون ذلك دلالة لبلقيس على قدرة الله تعالى ، وعلى نبوة سليمان عليهالسلام حتى تنضم هذه الدلالة إلى سائر الدلائل التي سلفت ، وثانيها : أراد أن يؤتي بذلك العرش فيغيّر وينكر ثم يعرض عليها حتى أنها هل تعرفه أو تنكره ، والمقصود اختبار عقلها ، وقوله تعالى : (نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي) كالدلالة على ذلك ، وثالثها ، قال قتادة : أراد أن يأخذه قبل إسلامها ، لعلمه أنها إذا أسلمت لم يحل له أخذ مالها ، ورابعها : أن العرش سرير الملك فأراد أن يعرف مقدار مملكتها قبل وصولها إليه ، وقال أبو جعفر : وأولي الأقوال بالصواب أنه أراد أن يجعل ذلك حجة عليها في نبوته ، ويعرفها بذلك قدرة الله وعظيم شأنه ، وأما أولي التأويلين في قوله تعالى : (قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) فهو قول ابن عباس من أن معناه طائعين ، لأن المرأة لم تأت سليمان إذ أتته مسلمة ، وإنما أسلمت بعد مقدمها عليه ، وبعد محاورة جرت بينهما ومساءلة [٢].
وأما الذي عنده علم من الكتاب فقد اختلفوا فيه على قولين ، قيل كان
[١] سورة النمل : آية ٣٨ ـ ٤٠.
[٢] تفسير الطبري ١٩ / ١٦٠ ـ ١٦١ ، في ظلال القرآن ٥ / ٢٦٤١ ، تفسير الفخر الرازي ـ