تاريخ اليعقوبي - احمد بن ابی یعقوب - الصفحة ٢٧٠ - أيام عبد الملك بن مروان
فلسطين شخص عن دمشق، حتى صار إلى بطنان يريد قرقيسيا لمحاربة زفر بن الحارث، و أمر ابن الزبير على حاله، فلما صار إلى بطنان من أرض قنسرين أتاه الخبر بأن عمرو بن سعيد بن العاص قد وثب بدمشق، و دعا إلى نفسه، و تسمى بالخلافة، و أخرج عبد الرحمن بن عثمان الثقفي خليفة عبد الملك بدمشق، و كانت أم عبد الرحمن أم الحكم بنت أبي سفيان بن حرب، و حوى الخزائن و بيوت الأموال، فعلم عبد الملك أنه قد أخطأ في خروجه عن دمشق، فانكفا راجعا إلى دمشق، فتحصن عمرو بن سعيد، و نصب له الحرب، و جرت بينهم السفراء، حتى اصطلحا و تعاقدا، و كتبا بينهما كتابا بالعهود و المواثيق و الأيمان على أن لعمرو بن سعيد الخلافة بعد عبد الملك و دخل عبد الملك دمشق و انحاز مع عمرو بن سعيد أصحابه، فكانوا يركبون معه إذا ركب إلى عبد الملك، ثم دبر عبد الملك على قتل عمرو، و رأى أن الملك لا يصلح له إلا بذلك، فدخل إليه عمرو عشية، و قد أعد له جماعة من أهله و مواليه و من كان عنده ممن سواهم، فلما استوى لعمرو مجلسه قال له: يا أبا أمية! إني كنت حلفت في الوقت الذي كان فيه من أمرك ما كان، إني متى ظفرت بك وضعت في عنقك جامعة، و جمعت يديك إليها. فقال: يا أمير المؤمنين! نشدتك بالله أن تذكر شيئا قد مضى. فتكلم من بحضرته، فقالوا: و ما عليك أن تبر قسم أمير المؤمنين؟ فأخرج عبد الملك جامعة من فضة، فوضعها في عنقه، و جعل يقول: أدنيته مني ليسكن روعه فأصول صولة حازم مستمكن
و جمع يديه إلى عنقه، فلما شد المسمار جذبه إليه، فسقط لوجهه، فانكسرت ثنيتاه، فقال: نشدتك الله، يا أمير المؤمنين، أن يدعوك عظم مني كسرته إلى أن تركب مني أكثر من ذلك، أو تخرجني إلى الناس فيروني على هذه الصورة! و إنما أراد أن يستفزه فيخرجه، و كان على الباب من شيعة