فضائل أمير المؤمنين(ع) - ابن عقدة الكوفي - الصفحة ١١١ - الفصل السادس عشر زواجه
و جعل كفّه تحت الصحفة و شالها إلى منكبه، و جعل يجري بها كما ينحدر سحاب في صبب فوضع الصحفة بين أيدي المنافقين، و كشف الغطاء عنها، و الصحفة على حالها لم ينقص منها و لا خردلة واحدة، ببركة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، فلمّا نظر المنافقون إلى ذلك قال بعضهم لبعض، و أقبل الأصاغر على الأكابر و قالوا: لا جزيتم عنّا خيرا، أنتم صددتمونا عن الهدى بعد إذ جاءنا، تصدّونا عن دين محمّد، و لا بيان أوثق ممّا رأينا، و لا شرح أوضح ممّا سمعنا؟ و أنكر الأكابر على الأصاغر، فقالوا لهم: لا تعجبوا من هذا، فإنّ هذا قليل من سحر محمّد. فلمّا سمع النبيّ صلى اللّه عليه و آله مقالتهم حزن حزنا شديدا، ثمّ أقبل عليهم فقال: «كلوا، لا أشبع اللّه بطونكم». فكان الرجل منهم يلتقم اللقمة من الصحفة و يهوي بها إلى فيه، فيلوكها لوكا شديدا يمينا و شمالا، حتّى إذا همّ ببلعها خرجت اللقمة من فيه كأنّها حجر.
فلمّا طال ذلك عليهم ضجّوا بالبكاء و النحيب، و قالوا: يا محمّد. قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله: يا محمّد! قالوا: يا أبا القاسم. قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله: يا أبا القاسم! قالوا: يا رسول اللّه. قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله: لبّيكم. و كان صلى اللّه عليه و آله إذا نودي باسمه يا أحمد يا محمّد، أجاب بهما، و إذا نودي بكنيته، أجاب بها، و إذا نودي بالرسالة و النبوّة أجاب بالتلبية. فقال النبيّ صلى اللّه عليه و آله: «ما الذي تريدون؟». قالوا: يا محمّد، التوبة التوبة، ما نعود- يا محمّد- في نفاقنا أبدا. فقام النبيّ صلى اللّه عليه و آله على قدميه، و رفع يديه إلى السماء، و نادى: «اللّهم إن كانوا صادقين فتب عليهم، و إلّا فأرني فيهم آية لا تكون مسخا و لا قردا». لأنّه رحيم بامّته.
قال: فما أشبه ذلك اليوم إلّا بيوم القيامة، كما قال اللّه عزّ و جلّ: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ [١] فأمّا من آمن بالنبيّ صلى اللّه عليه و آله فصار وجهه كالشمس عند
[١] سورة آل عمران: ١٠٦.