رسالة في الغناء - الشيخ حرّ العاملي - الصفحة ٣٣ - الخامس قراءة القرآن و غيرها

فاسقا ظالما في بعض الأفعال و هذا أمر محسوس في العادات مجرّب مرتكز في النفوس و الطبائع المختلفة.

نعم صحّة المراجعة إلى صاحب الصنعة تحتاج إلى اختباره و الاطّلاع على حسن صنعته و جودة معرفته و الثقة بقوله و ذلك يظهر بالتسامع و تصديق المشاركين في الفنّ و تعويل أهل الصنعة عليه، فإذا استمرّ ذلك في الأعصار المتباعدة و القرون المتطاولة زادت جهات القبول و تضاعفت أسباب الصحّة، و لذلك ترى المشهورين من أهل اللغة يرجعون الناس إليهم في تفسير اللغات قديما و حديثا موافقا و مخالفا في كلّ عصر و زمان، و ترى علماءنا من قديم العصر إلى هذا الزمان يعوّلون في تفسير اللغات العربيّة الغريبة على تفسيراتهم و تعبيراتهم و يستدلّون بذلك و يستندون إليه في مبادئ الأحكام الشرعية، و كتب الأصحاب مشحونة بذلك و قد أفرط بعض أصحابنا السابقين في هذا الباب فرجّح تفسير بعض أهل اللغة كأبي عبيد الهروي و ابن فارس على تفسير ابن بابويه- مع كونه من عظماء الفقهاء و المحدّثين- بأنّ أهل اللغة أقوم بهذا الشأن و أعرف بهذه الصنعة، و من هذا الإفراط سخط ابن إدريس (رحمه اللّه) للشيخ أبي جعفر الطوسي حكاية القائد عبد الرحمن بن عتاب بمكّة؛ بأنّه مخالف لما ذكر البلاذري أنّها وقعت باليمامة و البلاذري أبصر بهذا الشأن فإنّه من أهل فنّ السيرة [١]. و من هذا الباب كان مراجعة المسلمين إلى أطبّاء اليهود و النصارى عند حذاقتهم و ثقتهم في صدور الأزمان من غير نكير، و هذه القاعدة كانت مستمرّة معمولة بين العامّة أيضا فإنّهم يرجعون و يستندون في تفسير اللغات إلى


[١] السرائر، ج ١، ص ١٦٧- ١٦٨، أنساب الأشراف، ج ١، ص ٤٥٦، القسم الرابع؛ الجمل، ص ٣٦٤؛ جمهرة النسب، ص ٤٨؛ ذكر المسعودي هذه الحكاية هكذا: «وقف عليّ [(صلوات اللّه عليه)] على عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أميّة- و هو قتيل يوم الجمل- فقال: «لهفي عليك يعسوب قريش، قتلت الغطاريف من بني عبد مناف شفيت نفسي و جدعت أنفي، فقال له: الأشتر: ما أشدّ جزك عليهم يا أمير المؤمنين، و قد أرادوا بك ما نزل بهم! فقال: إنّه قامت عنّي و عنهم نسوة لم يقمن عنك (و قد كان قتله في ذلك اليوم الأشتر النخعي) و أصيب كفّ ابن عتاب بمنى (و قيل: باليمامة)، ألقتها عقاب و فيها خاتم نفسه «عبد الرحمن بن عتاب» و كان اليوم الذي وجد فيه الكف، بعد يوم الجمل بثلاثة أيّام». مروج الذهب، ج ٢، ص ٣٨٠؛ انظر: الأخبار الطوال، ص ١٤٦.