رسالة في الغناء - الشيخ حرّ العاملي - الصفحة ٣٩
أخلاقه و تجويد أعماله. و أوّل ذلك كلّه أن يستعين في طلب الحقّ و نيل الصوب (خ ل: الصواب) إلى بارئه، مستعيذا به من الشيطان المغوي و الهوى المردي، فإذا فعل ذلك لم يكن عليه بأس في العمل بمقتضى أفكاره. و قد أشار إلى هذا الطريق مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيّته لمحمّد بن الحنفيّة حيث قال:
فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما كانوا علموا فليكن طلبك ذلك بتفهّم و تعلّم لا بتورّط الشبهات و غلوّ الخصومات، و ابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك و الرغبة إليه في توفيقك، و ترك كلّ شائبة أولجتك في شبهة أو أسلمتك إلى ضلالة فإذا أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع و تمّ رأيك فاجتمع و كان همّك في ذلك همّا واحدا فانظر فيما فسّرت لك. و إن لم يجتمع لك ما تحبّ من نفسك و فراغ نظرك و فكرك، فاعلم أنّك إنّما تخبط العشواء و تتورّط الظلماء و ليس طالب الدين من خبط أو خلط و الإمساك عن ذلك أمثل. [١]
و أمّا المقلّد الذي لم يبلغ مرتبة الاستدلال فشأنه أخذ الأحكام عن العلماء العاملين و لكن عليه أن يختبر من يأخذ الأحكام عنه في علمه و عمله، بحسن الاختبار و جودة التمييز و كثرة المراجعة و التأمّل بحسب وسعه و مقدار طاقته، فإنّ التلبيس و النفاق و صنوف الخدع و المكايد شائعة في الخلق نافذة في مجاري حركاتهم و سكناتهم و قد كثر في الناس من كان متماديا في غرّة الأمنيّة، مختلف السريرة و العلانية، و إن نظرت في أحوال الخلق و تأمّلت في مجاري أمورهم في كلّ دهر و زمان من عصر الصحابة إلى زماننا هذا لعرفت شيوع
[١] نهج البلاغة، ص ٣٩٥، الكتاب ٣١.