رسالة في الغناء - الشيخ حرّ العاملي - الصفحة ٣١ - الخامس قراءة القرآن و غيرها
و الخطب و الرسائل و الكتب المعتبرة، فمن ادّعى شيئا من ذلك بدون ما ذكرناه فغير خاف على اللّبيب سقوط قوله و مجازفته و ليس لأحد أن يقبل دعواه و لقد أحسن من قال: «من تعوّد أن يصدّق الشيء بلا دليل فقد انسلخ عن الفطرة الإنسانيّة». و حينئذ فالمرجع في تفسير الغناء إلى ما ذكرناه و قد سمعت نبذة من كلام أهل اللغة في هذا الباب و ظاهر أنّه يقتضي كون جميع ما ذكرناه في محلّ البحث غناء و قد صرّح الجوهري بأنّ ما يسمّيه العجم «دو بيتي» غناء [١].
و كثير من الأشعار المبحوث عنها من هذا القبيل.
و قد عرفت أيضا ما قال الفقهاء في تفسيره و هم أعرف باللسان لغة و عرفا منّا و ظاهر شموله لجميع ما ذكر، و قد سمعت أيضا تصريح فقهائنا بأنّ الغناء أعمّ من أن يكون في القرآن أو في الشعر أو في غيرهما، و كذلك غير أصحابنا من العامّة و ناهيك بكلام من اشتهر بينهم بحجّة الإسلام أبي حامد الغزّالي فقد مرَّ تفسيره الغناء، و ذكر الغزّالي أيضا في سياق بحث الغناء تفصيلا و أقساما سبعة عدّ منها غناء المحبّين العارفين لأجل تهييج الشوق و الوجد [٢].
و قد سمعت أيضا كلام السيّد المرتضى- و هو كالصريح في المدّعى- و ممّا يؤيّد ما ذكرناه استمرار البحث بين علماء العامّة في سماع الصوفيّة و ما يقرءونه بالنغمات و الأصوات الحسنة في أوقات الأذكار و غيرها، فطائفة ينكرونه استنادا إلى ما رووا من الأخبار و الآثار الدالّة على منع الغناء، و طائفة يبيحونه و يجيبون عن حجج الطائفة الأولى بارتكاب التخصيص في تلك الأخبار و ادّعاء الاستثناء بحجج ضعيفة يستندون إليها و لا ينكرون كون ذلك غناء مع كونهم من أهل المعرفة باللّسان، و ظاهر أنّ ما يقرءونه في تلك الحالات إنّما يكون من الأذكار المسجّعة و الأشعار الدالّة على الموعظة و أشياء من هذا القبيل و حكاية
[١] لم أجده في الصحاح.
[٢] إحياء علوم الدين، ج ٢، ص ٣٠٠- ٣٠٦.