رسالة في الغناء - الشيخ حرّ العاملي - الصفحة ٣٢ - الخامس قراءة القرآن و غيرها

البحث من الجانبين مذكورة في كتاب الإحياء للغزّالي [١].

و ممّا يؤيّد ما ذكرناه الحديث المذكور من طرق العامّة فإنّ كثيرا منهم حملوها على الغناء و استحبّوا التغنّي بالقرآن مع كونهم من أهل المعرفة باللسان و فيه دلالة على أنّ قراءة القرآن بالألحان الطيّبة غناء.

و ممّا يؤيّد ذلك أيضا تعبير أهل الموسيقى جميع الأقسام التي يودعونها في كتبهم من الألحان و النغمات المطربة غناء كما يظهر بمراجعة كتبهم. هذا مع ما عرفت من وقوع المنع من الترجيع في القرآن صريحا في بعض الأخبار السابقة و ذمّ التغنّي بالقرآن في بعضها و لا خفاء في أنّ ما ذكرناه يفيد الظنّ الغالب بالمدّعى، و هو كاف في هذا الباب؛ فإنّ غاية ما يحصل في معرفة الألفاظ الشرعيّة و أحكامها في زماننا هذا، إنّما هو الظنّ و طرق العلم في الأحكام منسدّة علينا إلّا نادرا و من ادّعى خلاف ذلك فقد عدل عن الحقّ و فارق المنهاج و سقوط قوله معلوم عند من مارس الطرق الفقهيّة و نظر إلى مستندات الأحكام الشرعيّة. و بالجملة ليس البحث إلّا مع من يسلّم منّا هذا الأصل.

فإن قلت: ما ذكرت من كلام أهل اللغة لا يفيد ظنّا لعدم ظهور صحّة مذاهبهم و عدم ثبوت عدالتهم و لا اعتماد على قول غير العدل.

قلت: صحّة المراجعة إلى أرباب الصناعات البارعين في فنّهم في ما اختصّ بصنائعهم ممّا اتّفق عليه العقلاء في كلّ عصر و زمان فإنّ أهل كلّ صنعة يسعون في تصحيح مصنوعاتهم و صيانتها و حفظها عن مواضع الفساد و يسدّون مجاري الخلل بحسب كدّهم و طاقتهم و مقدار معرفتهم بصنعتهم، لئلّا يسقط محلّهم عندهم و لا يشتهروا بقلّة الوقوف و المعرفة في أمرهم و إن كان


[١] إحياء علوم الدين، ج ٢، ص ٢٩٢- ٣١٢.