رساله الولاية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٥١
بالأسباب الواردة شرعا للإنقطاع، من التوبة، و الإنابة، و المحاسبة، و المراقبة، و الصمت، و الجوع، و الخلوة، و السهر، و يجاهد بالاعمال و العبادات؛ و يؤيّد ذلك بالفكر و الإعتبار، حتى يورث ذلك انقطاعا منها إلى النفس، و توجّها إلى الحقّ سبحانه، و يطلع من الغيب طالع، و يتعقّبه شىء من النفحات إلالهية و الجذبات الربانية، و يوجب حبّا و إشرافا، و ذلك هو الذكر.
ثم لا يزال بارق يلمع، و جذبة تطلع، و شوق يدفع، حتى يتمكّن سلطان الحبّ فى القلب، و يستولى الذكر على النفس، فيجمع اللّه الشمل، و يختم الأمر و انّ إلى ربّك المنتهى.
و اعلم أنّ مثل هذا السائر الظاعن مثل من يسلك طريقا قاصدا إلى غاية. فانّما الواجب عليه أن لا ينسى المقصد، و أن يعرف من الطريق مقدار ما يعبر منه، و أن يحمل من الزاد قدر ما يحتاج إليه.
فلونسى مقصده آنا مّا هام على وجهه حيران، و ضلّ ضلالا بعيدا.
و لو ألهاه الطريق و مشاهدته و ما فيه، بطل السير، و حصل الوقوف.
و لو زاد حمل الزاد، تعوّق السعى، وفات المقصد. و اللّه المستعان سبحانه.
فإن قلت: هب انّه ثبت بهذا البيان على طوله انّ أقرب الطرق إلى اللّه سبحانه طريق معرفة النفس، لكن لم يثبت بذلك وجود بيان خاص فى الشريعة لهذا الطريق، يتبيّن به كيفية الدخول و الخروج فيه، و شئون سلوكه على دقته و خطره و كثرة اهواله و مخاطره و عظم تهلكته و بواره. فأين البيان الوافى بجميع هذه الخصوصيات الفارق بين المنجيات و المهلكات؟