رساله الولاية

رساله الولاية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٣٣

و يظهر من هنا انّ حقيقة كلّ كمال، هو المطلق المرسل الدائم منه، و انّ قرب كلّ كمال من حقيقته بمقدار ظهور حقيقته فيه، أى اقترانها بالقيود و الحدود. فكلّ ما ازدادت القيود، قلّ الظهور و بالعكس.

و يظهر من هنا أنّ الحق-سبحانه-هو الحقيقة الاخيرة لكلّ كمال. حيث انّ له صرف كلّ كمال و جمال، و انّ قرب كلّ موجود منه على قدر قيوده العدمية و حدوده.

و يظهر من ذلك أنّ وصول كلّ موجود إلى كماله الحقيقى مستلزم لفنائه، حيث أنّه مستلزم لفناء قيوده و حدوده فى ذاته أو فى عوارضه فقط، و بالعكس فناء كلّ موجود مستلزم لبقاء حقيقته فى مورده فقط. قال تعالى: «كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ `وَ يَبْقى‌ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ» [١] .

فالكمال الحقيقى لكلّ موجود ممكن، هو الذى يفنى عنده.

فالكمال الحقيقى للانسان أيضا هو الذى يصير عند كماله الانسانى مطلقا مرسلا و يفنى عنده الانسان لا كمال له غير ذلك ألبتة.

و قد مر فى البرهان السابق انّ شهود الانسان لذاته الذى هو عين ذاته، شهود منه لجميع حقائقه و لحقيقته الاخيرة، و حيث انّه فان عند ذلك فالانسان شاهد فى عين فنائه.

و إن شئت قلت انّ حقيقته هى الشاهدة لنفسها، و الانسان فان؛ هذا!

فالكمال الحقيقى للانسان وصوله إلى كماله الحقيقى ذاتا و عوارض؛ أى وصوله إلى كماله الاخير ذاتا و وصفا و فعلا، أى فنائه ذاتا و وصفا و فعلا فى الحقّ-سبحانه-؛ و هو التوحيد الذاتى و الإسمى و


[١] الرحمن/٢٦-٢٧.