رساله الولاية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٤٩
فى التوجيه.
و أنت بعد التأمّل فى معنى هذه الرواية الشريفة التى هى من غرر الروايات و خاصّة فى تمثيله بمعرفة إخوة يوسف-عليه السّلام- له، تقدر أن تستخرج جميع الاصول الماضية فى الفصول السابقة من هذه الرواية وحدها، فلا نطيل البيان.
و بالجملة فإذا شاهد ربّه، عرفه و عرف نفسه و كلّ شىء به، و حينئذ يقع التوّجه العبادى موقعه، و يحلّ محلّه، إذ بدونه كلّ ما توجّهنا إليه فقد تصوّرنا شيئا، كائنا ما كان. و هذا المفهوم المتصوّر، و الصورة الذهنية، و كذا مطابقه المحدود المتوهّم، غيره سبحانه. فالمعبود غير المقصود.
و هذا حال عبادة غير العارفين من العلماء باللّه، و قبول هذا النحو من العبادة مع ما عرفت من شأنها من فضل اللّه تعالى محضا.
قال سبحانه: «وَ لَوْ لاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ مََا زَكىََ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً» [٢٤] .
و هذا بخلاف عبادة العارفين باللّه المخلصين له، فإنّهم لا يتوجّهون فى عبادتهم لا إلى مفهوم، و لا إلى مطابق مفهوم، بل إلى ربّهم-جلّت عظمته و بهر سلطانه-.
قال سبحانه: «سُبْحََانَ اَللََّهِ عَمََّا يَصِفُونَ `إِلاََّ عِبََادَ اَللََّهِ اَلْمُخْلَصِينَ» . [٢٥] و من هنا يظهر أنّ المراد بالمخلصين، هم الذين أخلصوا (بالبناء للمجهول) للّه سبحانه؛ فلا حجاب بينهم و بينه، و إلاّ لم يقع وصفهم موقعه. و حيث انّ الخلق هم الحجاب، كما قال سيدنا موسى بن جعفر-عليه السّلام-: «لا حجاب بينه و بين خلقه إلاّ خلقه،
[٢٤] النور/٢١.
[٢٥] الصافات/١٦٠.