رساله الولاية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٥٨
و إن شئت اختبار صدق ما ذكرناه، أمكنك اعتباره بان تأخذ لنفسك مكانا خاليا، لا يكون فيه شاغل زائد من النور و الصوت و الأثاث و غيرها.
ثمّ تقعد قعودا لا يشغلك بفعل زائد مع غمض العين.
ثم تتوجّه إلى صورة مّا خيالية، بأن تشخص بعين خيالك إلى صورة «ا» مثلا، و تتنبّه لكلّ صورة خيالية تطرقك لتستعمل الإعراض عنه إلى صورة «ا» ، فإنّك تجد فى بادى الأمر صورا خيالية معترضة مزدحمة عندك مظلمة مشوشة، لا يتميّز كثير منها بعضها عن بعض، من أفكار اليوم و الليلة، و مقاصدك و إراداتك، حتى ربما تتيقّظ بعد مضى نحو ساعة انّك فى مكان كذا، أو مع شخص كذا، أو فى عمل كذا.
هذا مع انّك قد شخصت ببصر خيالك نحو «ا» ، و هذا التشويش يدوم معك مدّة.
ثم لو دمت على هذه التخلية أيّاما، ترى بعد برهة انّ الطوارق و الخواطر تقلّ فتقلّ، و يتنوّر الخيال، حتى كأنّك ترى ما يخطر فى قلبك من هذه الخواطر ببصر الحس، ثم تقلّ فتقلّ كلّ يوم تدرّجا، حتى لا يبقى مع صورة «ا» صورة اخرى ألبتة. هذا!
و من ذلك تعرف صحّة ما قلنا انّ الاشتغال بالمشاغل الدنيوية توجب نسيانك نفسك، و الغفلة عما وراء هذه النشأة؛ و انّ التخلّص نحو الباطن، يحصل بالإعراض عن الظاهر، و الإقبال إلى ما ورائه. فلو رمت نحو مشاهدة نفسك بمثل الطريق المذكور مثلا، وجدت أضعاف ما ذكرناه من الخواطر المانعة، و هى صور المشتهيات و المقاصد الدنيوية.
فالطريق المتعيّن للمعرفة أن تصفّى قلبك عن الدنيا، و كلّ حجاب غير اللّه سبحانه.
فكلّما ذكر من الاسباب من المراقبة و الخلوة و غيرهما إنّما هو