رساله الولاية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٥٧
بمحبوبه و الوصول إليه من كل حاجب يحجب عنه. و كلّما مكث على وصفه، اشتدّ وجده و اشتعل نارشوقه؛ و ربما دفعه الشوق إلى الغيبة عن نفسه، و فنائها عن نظره، و الإشتغال فقط بربّه، فلا يبقى إلاّ وجه ربّه ذو الجلال و الإكرام.
و هؤلاء أيضا طبقة، و مقامهم فى العلم و العمل ما عرفت.
و قد عرفت أنّ الفارق حقيقة بين هذه الطبقات الثلاث، اختلاف حالهم فى الإدراك؛ و بذلك يفترقون فى فهم المدلول من كلام واحد إلى مدلولين اثنين، أو إلى ثلاث.
فبيان الطريق ليس من شؤون الشرع، و إنّما هو الفهم يختلف اختلافا.
و لقد سمعت بعض مشايخى، و قد سئل عن طريق معرفة النفس: لم لم يبيّن شرعا، و هو أقرب الطرق إلى اللّه سبحانه؟
فقال-مدّ ظلّه-: و أىّ بيان فى الشرع لا يروم هذا المقصد، و لا يشرح هذا الطريق؟
و من هنا ربما يذكر بعض هذه الطبقة فى تفسير بعض الآيات و الأخبار، معانى بعيدة عن الفهم العادى كلّ البعد. هذا!
و الذى ينبغى أن يعلم هيهنا انّ هذا الطريق مركب من فعل و ترك، و هو رفض غير اللّه، و التوجّه إلى اللّه سبحانه؛ و هما كالمتلازمين أو متلازمان. إذ قد مرّ انّ العلم باللّه أبده البديهيات، و إنّما الحاجب عنه هو الغفلة دون الجهل، و ذلك بالإشتغال بحطام الدنيا، و عرض هذا الأدنى. فما جعل اللّه لرجل من قلبين فى جوفه.
فالإشتغال بها يوجب حبّها، و تعلّق الهمّة كلّها بها. فيشغل ذلك حيّز القلب، فلا يصفو مرآته حتى ينعكس فيها جمال الحقّ سبحانه، و يحصل المعرفة. فان الأمر، أمر القلب.