رساله الولاية

رساله الولاية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٥٤

فلو انّ الدنيا دامت بأهلها، و تخلّد نعمها و مشتهياتها، و انمحت عنها مكارهها، لم ينقص من مبتغى هذا العامل المجاهد شيئا. و من هنا تعلم أنّ الكمال عند هذا الرجل، هو مشتهيات النفس من النعم الدنيوية المادّية؛ لكنّه يراها مقرونة بالنواقص و الموانع، فيطلب مشتهيات من جنسها خالية من كدوراتها. فيرى الدار الاخرة من عرصات الدنيا و خواتمها، و يعتقد أنّ يوم القيمة من أيّامها.

فنفسه واقفة على هذه المرتبة الجسمية، لم ترق عنها ليأسها عن أشرف منها. فلا يريد كمالا أشرف من الكمال الجسمى، إذا لم يعهده و لم يعتقد به. فهو نازل عن مرتبة العلم باللّه، واقف فى مرتبة العمل، يتقلّب بين أطوار الحيوة من قول و عمل و خلق حسن كأنّ أستار الغيب مرتفعة عنه، و كأنّ ماوراء الحجاب مكشوف له، لا يستفزّ عن عينه، و ليس كذلك.

و هو المأيوس عن مشاهدة ماوراء الحجاب، و فد وطّن نفسه لما بعد الموت. فإنّما له صالح العمل و جزيل الثواب فحسب، لا يرزق خيرا من ذلك.

«وَ لَوْ بَسَطَ اَللََّهُ اَلرِّزْقَ لِعِبََادِهِ لَبَغَوْا فِي اَلْأَرْضِ وَ لََكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مََا يَشََاءُ إِنَّهُ بِعِبََادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ» [٢٨] .

و هولاء أيضا طبقة، و ذلك مقامهم فى العلم و العمل؛ يشتركون الطبقة الاولى فى العلم، و يفترقون عنهم فى العمل.

و إذا فرضنا واحدا من المحبّين المشتاقين، و هو رجل أخذته بارقة الحبّ، و جذبته جذبة الشوق إلى لقاء اللّه سبحانه؛ فانهدّت أركانه، و اضطربت أحشائه، و حار قلبه، و طار عقله، و انسلّ عن الدنيا و زخارفها، و لم يقع همّه على العقبى و نعيمها، و لا دين للمحبّ إلاّ


[٢٨] الشورى/٢٧.