التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٦٥ - بسم الله الرحمن الرحيم
فهو يقتضي الخضوع بما فيه من دليل الحدوث الذي لا يقدر عليه إلا قادر لا يعجزه شئ.
وقوله (والسماء رفعها) أي رفع السماء رفعها فوق الارض للاعتبار بها والتفكر فيها، وأنه لا يقدر على رفعها غير القادر لنفسه الذي لا يعجزه شئ ولا يماثله موجود.
وقوله " ووضع الميزان " فالميزان آلة التعديل في النقصان والرجحان، والوزن يعدل في ذلك، ولو لا الميزان لتعذر الوصول إلى كثير من الحقوق، فلذلك نبه على النعمة فيه والهداية اليه.
وقوله " إلا تطغوا في الميزان " نهي كأنه قال أي لا تطغوا، لان (أن)
تكون بمعنى أي ويجوز ان تكون علة، وتقديره ووضع الميزان لان لا تطغوا، وإنما أعاد ذكر الميزان من غير أضمار لئلا يكون الثاني مضمنا بالاول، وليكون قائما بنفسه في النهي عنه إذا قيل ألا تطغوا في الميزان. وقيل: لانه نزل في وقتين. والاول أحسن. وقيل: المراد بالميزان العدل لان المعادلة موازنة الاسباب، والطغيان الافراط في مجاوزة الحد في العدل. وقيل: لا تطغوا فيه لان مالا يضبط في الوزن موضوع عنهم. وقال الزجاج: تقديره فعلت ذلك لئلا تطغوا. ويحتمل ان يكون نهيا مفردا. ويجوز أن يكون بمعنى (أي) مفسرة وقوله " واقيموا الوزن بالقسط " أمر من الله تعالى أن يقيموا الوزن إذا أرادوا الاخذ أو الاعطاء " بالقسط " أي بالعدل " ولا تخسروا الميزان " بمعنى لا تنقصوه.
والخسران نقصان أصل المال، وهو ذهاب ما كان من رأس المال: خسر يخسر خسرا وخسرانا، وخسره تخسيرا، فهو خاسر ومخسر. قال الزجاج: قولهم:
(ج ٩ م ٥٩ من التبيان)