التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ١١١ - قوله تعالى
جواب لذلك القول بل أخبرتعالى عن اختراعه السموات والارض وانشائه لهما من غير تعذر ولا مشقة ولا كلفومن غير ملابسة ولا معاناة بمنزلة ما قيل:
للمأمور افعل ففعل من غير تلبث ولا توقف، فعبر عن ذلك بالامر والطاعة وهو كقوله (كن فيكون) [١] وقد بينا الوجه في ذلك ويكون التقدير كأنه قيل:
أتينا بمن فينا طائعين أي سبحانه فعل الطبائع في ما أمر به وإنما قلنا ذلك لانه تعالى لا يأمر المعدوم ولا الجماد، لان ذلك قبيح يتعالى الله عن ذلك ومثل ذلك قول الشاعر:
امتلا الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملات بطني [٢]
ونظائر ذلك كثيرة بيناها في ما مضى وإنما قال (طائعين) ولم يقل طائعتين، لانه لما اسند الفعل اليهما وهو مالا يكون إلا من العقلاء اخبر عنهما بالياء والنون، وقال قطرب: لان المعنى أتينا بمن فينا من العقلاء فغلب حكم العقلاء.
وقال الشاعر:
فاجهشت للتوباد حين رأيته * وكبر للرحمن حين رآني
فقلت له اين الذين عهدتهم * بجنبيك في حفض وطيب زمان
فقال مضوا واستودعوني بلادهم * ومن ذاالذي يبقى على الحدثان [٣]
وقوله (فقضاهن سبع سموات في يومين) معناه جعلهن سبع سموات على اتمام خلقهن لان القضاء جعل الشئ على إتمام وإحكام ولذلك قيل: انقضى أي قدتم ومضى، وقضى فلان إذا مات، لان عمره تم ومضى. وقيل: إن السماء موج مكفوف، روي ذلك في الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله). وقال الحسن: هي سبع ارضين
[١] سورة ٣٦ يس آية ٨٢ وغيرها
[٢] مر في ١ / ٤٣١ و ٨ / ٨٥، ٣٦٩
[٣] قد مر في ٨ / ٣٦٩ (*)