الإمام الباقر عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٤ - الفصل الثَّاني الإِمَامُ وَعَصْرُهُ

رابعاً: خروج الإمام إلى الشام.

إن حادثة استدعاء هشام بن عبد الملك الإمام الباقر عليه السلام من المدينة إلى الشام، تكشف عن طبيعة علاقة الإمام بالسلطة السياسية، وما كان يُعانيه منها، وكيف كان يتحداها. ونحن إذ نثبت نصًّا تاريخيًّا فيها ندع للقارئ فرصة التأمل فيها، على أن النصوص مختلفة في تفاصيل هذه الواقعة، وإنما نذكر أكثرها تفصيلًا بإذن الله.

وقد حَجَّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ، وَكَانَ قَدْ حَجَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ وَابْنُهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عليهما السلام. وقال الإمام الصادق عليه السلام: «الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالحَقِّ نَبِيًّا، وَأَكْرَمَنَا بِهِ، فَنَحْنُ صَفْوَةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَخِيَرَتُهُ مِنْ عِبَادِهِ، وَخُلَفَاؤُهُ، فَالسَّعِيدُ مَنِ اتَّبَعَنَا وَالشَّقِيُّ مَنْ عَادَانَا وَخَالَفَنَا.

ثُمَّ قَالَ: فَأَخْبَرَ مَسْلَمَةُ أَخَاهُ بِمَا سَمِعَ فَلَمْ يَعْرِضْ لَنَا حَتَّى انْصَرَفَ إِلَى دِمَشْقَ وَانْصَرَفْنَا إِلَى المَدِينَةِ فَأَنْفَذَ بَرِيداً إِلَى عَامِلِ المَدِينَةِ بِإِشْخَاصِ أَبِي وَإِشْخَاصِي مَعَهُ، فَأَشْخَصَنَا، فَلَمَّا وَرَدْنَا مَدِينَةَ دِمَشْقَ حَجَبَنَا ثَلَاثاً ثُمَّ أَذِنَ لَنَا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، فَدَخَلْنَا وَإِذَا قَدْ قَعَدَ عَلَى سَرِيرِ المُلْكِ وَجُنْدُهُ وَخَاصَّتُهُ وُقُوفٌ عَلَى أَرْجُلِهِمْ سِمَاطَانِ مُتَسَلِّحَانِ، وَقَدْ نُصِبَ الْبُرْجَاسُ حِذَاهُ، وَأَشْيَاخُ قَوْمِهِ يَرْمُونَ، فَلَمَّا دَخَلْنَا وَأَبِي أَمَامِي وَأَنَا خَلْفَهُ فَنَادَى أَبِي وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! ارْمِ مَعَ أَشْيَاخِ قَوْمِكَ الْغَرَضَ.

فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ عَنِ الرَّمْيِ فَهَلْ رَأَيْتَ أَنْ تُعْفِيَنِي.

فَقَالَ: وَحَقِّ مَنْ أَعَزَّنَا بِدِينِهِ وَنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه واله لَا أُعْفِيكَ. ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى شَيْخٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ: أَنْ أَعْطِهِ قَوْسَكَ، فَتَنَاوَلَ أَبِي عِنْدَ ذَلِكَ قَوْسَ الشَّيْخِ