بينات من فقه القرآن(سورة النور) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٤ - اللّه نورُ السماوات والأرض
وفيما يلي من الآيات المزيد من تفسير وتأويل هذه الكلمات المضيئة إن شاء الله تعالى.
٣- نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
أي نور يضاف إلى نور الوحي، وماذا يعني هداية الله لنوره من يشاء؟.
أولًا: نور العقل الذي أودعه الرب في قلب عباده، إنه كما الزيت النقي الذي يتقد حينما تمسسه نار. وإذا تأملت علمت أن في الزيت نارًا خفيّة تتقد بالنار الظاهرة، ولولا تلك النار (قابلية الاشتعال) لكانت كالرماد. كذلك العقل البشري فيه قابلية الإضاءة بعد أن يستنير بنور الوحي.
وهكذا نقرأ في كلمة الإمام علي عليه السلام حول الوحي الذي يبشر به الأنبياء عليهم السلام
: (لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ) «١»
. وهكذا العقول المدفونة في ركام الغفلة والأساطير يثيرها الوحي، فإذا بنور الوحي يضاف على نور العقل، وهما ينبعان من مشكاة واحدة. وقد جاء في وصية الإمام موسى الكاظم عليه السلام لهشام، قال
: (يَا هِشَامُ إِنَّ لله عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ؛ حُجَّةً ظَاهِرَةً، وَحُجَّةً بَاطِنَةً. فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَ الْأَئِمَّةُ عليهم السلام وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ) «٢»
.______________________________
(١) نهج البلاغة، خطبة رقم: ١.
(٢) بحار الأنوار: ج ١، ص ١٣٧.