موسوعة الامام الخوئي - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ١٢٥ - الأخبار الدالّة على عدم انفعال القليل
و قد يناقش فيها كما في طهارة المحقق الهمداني(قدس سره)بأنّها وردت تقية لموافقتها لمذهب العامة، حيث جمعت بين الوضوء وغسل الجنابة وهما مما لا يجتمعان في مذهب الشيعة{٢}. ولا يخفى ضعف هذه المناقشة كما نبّه عليه هو(قدس سره)أيضاً إذ المراد بالوضوء في الرواية ليس هو الوضوء بالمعنى المصطلح عليه بل هو بمعناه اللغوي، وهو المعبّر عنه في الفارسية بـ«شستشو كردن» فأين اجتماع الوضوء مع الغسل.
فالصحيح في الجواب أن يقال: إن القليل في الرواية ليس بمعناه المصطلح عليه عند الفقهاء فإنه اصطلاح منهم(قدس سرهم)و لم يثبت أن القليل كان بهذا المعنى في زمانهم(عليهم السلام)بل هو بمعناه اللغوي الذي هو في مقابل الكثير، ومن البيّن أن القليل يصدق حقيقة على الكر والكرين بل وعلى أزيد من ذلك في الصحاري بالإضافة إلى ما في البحار والبركان، وعليه فالرواية غير واردة في خصوص القليل. نعم، أن إطلاقها يشمل ما دون الكر أيضاً، ولكنك عرفت أن الأخبار الواردة في انفعال القليل بالملاقاة البالغة حد التواتر تقتضي تقييد المطلقات وتخصيصها بغير ذلك لا محالة، ولعلّ السؤال في الرواية من أجل أن جماعة من العامة ذهبوا إلى نجاسة الغسالة في الجنابة ولو مع طهارة البدن{٣}بل ذهب أبو حنيفة وغيره إلى نجاسة غسالة
{١}الوسائل ١: ١٥٢/ أبواب الماء المطلق ب ٨ ح ٥.
{٢}مصباح الفقيه(الطهارة): ١٥ السطر ٢٨.
{٣}و في عمدة القارئ شرح البخاري،
للعيني الحنفي ج ٣ ص٧٢«باب استعمال فضل وضوء الناس» اختلف الفقهاء فيه: فعن
أبي حنيفة ثلاث روايات(الاُولى): ما رواه عنه أبو يوسف انّه نجس
مخفف(الثانية)رواية الحسن بن زياد عنه انه نجس مغلظ(الثالثة): رواية محمد
بن الحسن عنه انه طاهر غير طهور، وهو اختيار المحققين من مشايخ ما وراء
النهر الفتوى عندنا.
و في المجلد ١ من بدائع الصنائع للكاشاني الحنفي ص٦٨: ان أبا يوسف جعل
نجاسة المستعمل في الوضوء والغسل خفيفة لعموم البلوى فيه لتعذر صيانة
الثياب عنه. ولكونه محل الاجتهاد فأوجب ذلك خفة في حكمه والحسن جعل نجاسته
غليظة لأنّها نجاسة حكمية وانها أغلظ من الحقيقية أ لا ترى انه عفي عن
القليل من الحقيقية دون الحكمية كما إذا بقي على جسده لمعة يسيرة.
و قال ابن حزم في المجلد ١ من المحلّى ص١٨٥: انّ أبا حنيفة ذهب إلى عدم
جواز الغسل والوضوء بالماء المستعمل في الوضوء والغسل وإن شربه مكروه،
وقال: روي عنه يعني أبا حنيفة انه طاهر والأظهر عنه انه نجس وهو الذي روي
عنه نصاً وانه لا ينجس الثوب إذا أصابه الماء المستعمل إلّا أن يكون كثيراً
فاحشاً. ونقل عن أبي يوسف انه فصل بين ما إذا كان المقدار الذي أصاب الثوب
من الماء المستعمل شبراً في شبر فقد نجسه وما إذا كان أقل من ذلك فلم
ينجسه، ثم نقل عن أبي حنيفة وأبي يوسف كليهما ان الرجل الطاهر إذا توضأ في
بئر فقد نجس ماءها كلّه فيجب نزحها ولا يجزيه ذلك الوضوء بلا فرق في ذلك
بين أن يتوضأ للصلاة قبل ذلك وما إذا لم يتوضأ لها، فإن اغتسل فيها أيضاً
أنجسها كلها سواء أ كان جنباً قبل ذلك أم لم يكن، وإنّما اغتسل فيها من غير
جنابة بل ولو اغتسل في سبعة آبار نجسها كلّها.
و عن أبي يوسف انه ينجسها كلّها ولو اغتسل في عشرين بئراً، وفي ص١٤٧ مشيراً
إلى أبي حنيفة وأصحابه ما هذا نصه: ومن عجيب ما أوردنا عنهم قولهم في بعض
أقوالهم: انّ ماء وضوء المسلم الطاهر النظيف أنجس من الفأرة الميتة.
و لم يتعرّض في الفقه عل المذاهب الأربعة[ج ١ ص٣٨]لهذا القول بل عدّ الماء
المستعمل من قسم الطاهر غير الطهور قولاً واحداً. نعم ذهب جماعة إلى ذلك.
ففي المغني لابن قدّامة الحنبلي ج ١ ص١٨: الماء المنفصل عن أعضاء المتوضي
والمغتسل في ظاهر المذهب طاهر غير مطهر لا يرفع حدثاً ولا يزيل نجساً وفي
ص٢٠ قال: جميع الأحداث سواء فيما ذكرنا..
و في كتاب الأُم للشافعي ج ١ ص٢٩: إذا توضّأ بما توضّأ به رجل لا نجاسة على
أعضائه لم يجزه لأنّه ماء قد توضي به، وكذا لو توضأ بماء قد اغتسل فيه
رجل، والماء أقل من قلتين لم يجزه..ثم قال: لو أصاب هذا الماء الذي توضأ به
من غير نجاسة على البدن ثوب الذي توضّأ به أو غيره أو صبّ على الأرض لم
يغسل منه الثوب، وصلّى على الأرض لأنّه ليس بنجس...وتابعه الغزالي في
الوجيز ج ١ ص٣ فقال: الماء المستعمل في الحدث طاهر غير طهور على القول
الجديد.
و في المدونة لمالك ج ١ ص٤ قال مالك: لا يتوضّأ بماء قد توضي به مرّة ولا
خير فيه فإذا لم يجد رجل إلّا ماء قد توضي به مرة فأحب إلى أنّه يتوضأ به
إذا كان طاهراً ولا يتيمّم وإذا أصاب الماء الذي توضي به مرة ثوب رجل فلا
يفسد عليه ثوبه إذا كان الماء طاهراً. وقد نسب ذلك أيضاً إلى مالك في بداية
المجتهد لابن رشد المالكي ج ١ ص٢٨.