نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٥٩ - تقديم رفاعة الطهطاوى و مدخل حديث لكتابة السيرة النبوية

صونها الرجال) (١٢٦). و يقرن الطهطاوى فعل الكتاب بالحكمة و رجاحة العقل؛ فبالكتابة (و الكتّاب قامت الرئاسة و السياسة و إليهم ألقى تدبير الأعنّة و الأزمّة) (١٢٧).

و من هذا المنظور الّذي يعلى من فعل الكتابة كاشفا عن المهام الاجتماعية و السياسية التى يستطيع ذلك الفعل تحقيقها- احتفى الطهطاوى بمقولة ابن المقفع إن (الملوك أحوج‌

إلى الكتّاب من الكتّاب إلى الملوك، و من فضل الكتابة أن صاحب السيف يزاحم الكاتب في قلمه و لا يزاحمه الكاتب في سيفه) (١٢٨).

و إذا كان الطهطاوى قد قرن العدل بالتمدن، من ناحية، و جعل من الكاتب و الحكيم مرشدا للحاكم و سائسا له من ناحية ثانية، فإن الدال الثالث الّذي يتولد عن الدالين السابقين قد تبدى في سعى الطهطاوى- على ما يبدو بوضوح في" مناهج الألباب"- إلى تقديم أمثلة مختلفة من تاريخ مصر القديمة و غيرها من الدول تكشف عن انصياح الملك الحاكم للحكماء و عمله بنصائحهم ضمانا لبقاء الدولة و ترسيخا للعدل (١٢٩).

و قد أسس ذلك الدال الثالث لدال رابع أنشأه الطهطاوى بقران وصل فيه بين عدالة الحاكم/ الملك من ناحية، و دور الرأى العام، من ناحية ثانية، و وظيفة التاريخ من ناحية ثالثة، فكشف ذلك القرآن عن صورة من الجدل بين عدالة الحاكم التى تتجلى في أفعاله، و تأثيرها في الرأى العام بوصفه متلقيا لهذه الأفعال، و دور التاريخ بوصفه وسيلة سردية تبقى ذكر الحاكم أو تخمله؛ فمما يحمل الملوك على العدل (و يحاسبهم محاسبة معنوية الرأى العمومى أى رأى عموم أهل مملكتهم أو ممالك غيرهم ممن جاورهم من الممالك (...) و مما يحاسب الملوك أيضا على العدل و الإحسان التاريخ، أى حكاية وقائعهم لمن بعدهم من ذراريهم و خلفهم من الأجيال التالية، فإن المؤرخ يذكر للأمة أخبار ملوكها فينتقل من العين إلى الأثر و من البيان إلى الخبر فيثبت محاسن الملوك و مثالبهم لأعقابهم ليعتبروا) (١٣٠).