نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٢ - تقديم رفاعة الطهطاوى و مدخل حديث لكتابة السيرة النبوية
التاريخ و وظائفه. و اللافت أن تناول الطهطاوى لمسائل الأدب يركز فيه- على عادة غيره من الإحيائيين- على الشعر، بينما يغلب أن يتصل تناوله للنثر عامة أو السرد خاصة بتناوله للتاريخ. و لعل تقديم الطهطاوى لتناول الشعر في مقابل التغييب النسبي لتناول النثر أو السرد بوصفه الطرف الثانى من أطراف ثنائية الشعر و النشر أن يشير إلى انتماء الطهطاوى إلى اللحظة التاريخية التى كان الأديب و الناقد الإحيائى يسعى فيها، حثيثا، لصياغة موقف من الأشكال النثرية بتأثير اتصاله بالثقافة الأوروبية. و بالمثل يبدو تناول الطهطاوى لبعض الأشكال السردية العربية الوسيطة في إطار تناوله للتاريخ دالا على منحى إحيائى يتصل باستعادة تناول المؤرخ العربى الوسيط- فى مرحلة نضج الكتابة التاريخية- لأوجه التشابه و التلاقى بين بعض الأشكال السردية و الكتابة التاريخية، و أوجه الاختلاف و التمايز بينهما (٢٨).
إن التاريخ عند الطهطاوى ينقسم إلى أثرى و بشرى (فالأوّل ما كان من طريق الشرع
كالقصص الواردة في الكتب السماوية و الثانى ما وقف عليه الناس من الوقائع و الحوادث الحاصلة في الأعصر القديمة و الحديثة فأرخوه) (٢٩).
و إذا كان التاريخ أحداثا و وقائع تنتمى إلى الماضى دائما أو إلى الحاضر أحيانا، فإن الكتابة التاريخية عند الطهطاوى تستهدف تحقيق مهمة مزدوجة، و تعود هذه الازدواجية إلى المتلقى الّذي كان الطهطاوى يتوجه إليه؛ إذ كان بحكم موقعه الثقافى و الطبقى و طبيعة المرحلة يتوجه بكثير من كتاباته إلى الحاكم من ناحية، و إلى عامة القراء- و لا سيما طلاب المدارس من أبناء النظام التعليمى الّذي أنشأه محمد على و دعمه إسماعيل- من ناحية أخرى، فالطهطاوى يقرر أن (تعلم التاريخ أليق بأبناء الأمراء و السلاطين، إذ هو معرفة أحوال الأمم و الدول و الملوك الماضين، فتقف الملوك به على أحوال من مضى من الأنبياء و الأصفياء و غيرهم من أرباب الرئاسات و السياسات، ممن مرّ زمانهم و انقضى، فيعتبر القارئ لسيرتهم من تلك الأحوال، و يتحصل على ملكة التجارب من تعرفه تقلبات الزمان و الانتقال، فيحترز عن تجرع غصص ما نقل عن المضار، و ينتهز التمتاع بفرص ما قيل