نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٥٥ - تقديم رفاعة الطهطاوى و مدخل حديث لكتابة السيرة النبوية

توفيق الجليل" من اتصال الطهطاوى بكتابات المستشرقين حول بعض جوانب الثقافة" الدينية" العربية (١١٢)، فلعل الطهطاوى لم يعن بما كتبه المستشرقون الفرنسيون السابقون عليه و المعاصرون له عن سيرة النبي" ص".

لقد كانت كتابة الطهطاوى السيرة النبوية بصياغة تشكيلها السردى نابعة من الموقف الّذي كان الطهطاوى يسعى إلى تأصيله لدى من توجه إليهم بها.

(٦) إذا كان درس التشكيل السردى للسيرة النبوية لدى الطهطاوى قد كشف عن جوانب التجديد في كتابته لها، فإن استنباط الموقف الّذي تنطوى عليه تلك الكتابة سيفضى إلى إدراك مستويات الدلالة فيها، و هذا ما يتطلب الالتفات إلى أنماط المتلقين الذين تلقوا نص الطهطاوى، و دور الوسيط الثقافى الّذي حمل كتابة الطهطاوى إليهم.

تركزت في شخصية الرسول (ص) الصفات الأساسية التى شكلت مرتكزات البطولة لدى الجماعة العربية عبر عصورها المتوالية، و تلخصت هذه الصفات في (اتصال نسبه بما يثبت عروبته و شرفه و أهمية آبائه جميعا) (١١٣) و (دفاعه عن مبدأ أو عقيدة، و أيا كان هذا المبدأ أو تلك العقيدة فلا بد أن تكون خيرة مؤمنة) (١١٤)، و تعضيد أفعاله بقوة (غيبية خارقة تثبت صحة ما يدافع عنه من مبدأ) (١١٥)، و الاتساق بين أفعاله و أقواله التى تهدف إلى تحرير الإنسان، و إرساء قيمة العدالة، و تأسيس السلوك على قيم أخلاقية مثالية.

و لعل هذا ما يفسر، من ناحية، بقاء سيرة الرسول (ص) طوال حياة المجتمع العربى، و تأثيرها في تشكيل نموذج البطل في السير الشعبية العربية، من ناحية أخرى، و لا ينفى انقطاع المصريين- قبل الطهطاوى بأربعة قرون عن كتابة السيرة النبوية- بقاءها حية و فاعلة في الوجدان الشعبى المصرى/ العربى. و من هنا كانت كتابة الطهطاوى" نهاية الإيجاز" بمثابة إعادة تقديم النموذج البطولى الّذي تعكسه شخصية الرسول (ص)، ليجعل منه وسيلة مباشرة و ضمنية في الآن نفسه لنقل موقفه أو رسالته الإصلاحية إلى دوائر المتلقين الذين يتوجه إليهم.