نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٣ - تقديم رفاعة الطهطاوى و مدخل حديث لكتابة السيرة النبوية
سيرة الرسول (ص) بوصفها جزءا من التاريخ العام، و قد تابعه في ذلك المؤرخون التالون له كابن الأثير (ت ٦٣٠ ه) فى كتابه (الكامل في التاريخ) و ابن كثير (ت ٧٧٤ ه) فى كتابه (البداية و النهاية) و غيرهما.
و تشكلت كتابة السيرة النبوية في ثلاثة أنماط مختلفة؛ نمطان منها يمكن وصفهما بأنهما نمطان سرديان خالصان، على حين يمكن وصف ثالثهما بأنه يضيف إلى المتن السردى نصا اخر شارحا بعض الوقائع أو يضيف معارف من علوم متنوعة. و يمثل نمط السيرة المكتملة التى تقدم وقائع حياة النبي (ص) و غزواته و علاقاته المختلفة النمط السردى الأوّل، و نموذجه الأجلى سيرة ابن إسحاق (ت ١٥١ ه) التى رواها ابن هشام (ت ٢١٨ ه)، و قد قسم ابن إسحاق السيرة إلى ثلاثة أقسام كبرى هى المبتدأ، و المبعث، ثم المغازى، و كان يقدم- سواء داخل كل قسم من الأقسام الكبرى أو الأقسام الصغرى التى تشكل الأقسام الكبرى- الأخبار المختلفة، و يقدم الوقائع مستشهدا بالأشعار سواء في إطار سرده الوقائع، أو في نهايتها؛ كما في تقديمه- فى نهاية الغزوات- الأشعار المختلفة التى قيلت فيها.
و إذا كان ابن هشام قد هذب نص ابن إسحاق فإنه قد أهمل بعض مرويات ابن إسحاق كما خذف أشعارا لم ير (أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها، و أشياء بعضها يشنع الحديث به (٨).
و لقد تحول متن ابن هشام إلى المصدر الأساسى الّذي اعتمده اللاحقون له سواء كانوا من المؤرخين الخلّص أو من كتاب السيرة النبوية، و يمثل كتاب" عيون الأثر فى فنون المغازى و الشمائل و السير" لابن سيد الناس (ت ٧٣٤ ه) نموذجا لكتابة تتابع تقاليد سرد السيرة النبوية المكتملة التى أصّلها ابن إسحاق و ابن هشام، ثم تضيف إليه تقاليد جديدة مثل تقديم مرويات مختلفة عن رواة آخرين غير ابن إسحاق، و تقديم مرويات تمثل تحديدات أدق لمضامين بعض مرويات ابن إسحاق، أو تصحيح بعض المرويات التى قدمها ابن إسحاق (٩).
و لما كان معنى مصطلح السيرة النبوية قد انصرف- لا سيما في المراحل المبكرة من رواية السيرة و تدوينها- إلى دلالة تقصره على تقديم المرويات الخاصة بمغازى الرسول (ص) فإن كتاب محمد بن عمر الواقدى (ت ٢٠٧ ه)" المغازى" يمثل نمط