نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٧ - تقديم رفاعة الطهطاوى و مدخل حديث لكتابة السيرة النبوية

و من البين أن الواحدات الأربع الأولى- بالإضافة إلى نقطة الوفاة في بداية الواحدة الخامسة- قد رتبت على أساس زمنى قائم على التوالى التاريخى. و تشكل العلاقة بين هذه الواحدات نمطا من أنماط البنية المركبة التى تقوم على منطق النظم أو التنضيد- عند شلوفسكى- حيث تتتابع مجموعة من القصص القصيرة يغلب أن تكون واحدات سردية (مستقلة كل واحدة عن الأخرى، لكن تصل فيما بينها شخصية مشتركة) (٤٥)، و يؤدى تعاقبها في نص واحد إلى إنشاء (واحدة جديدة لها بنية مخصوصة، و لعل أظهر ما تتجلى فيه هذه البنية القصص التاريخية أو قصص السيرة) (٤٦). و تشكل تلك الواحدات الهيكل الأساسى لمتن السيرة النبوية، و من اللافت تأمل العلاقات التى ينشئوها نص الطهطاوى مع الكتابات السابقة عليه؛ فهو من ناحية يتابع كتّاب نمط السيرة المختصرة- كابن عبد البر و ابن حزم- الذين قصروا متن السيرة على متابعة حياة النبي (ص) من ميلاده إلى وفاته. بينما يبدو- من ناحية ثانية- معدّلا في بعض التقاليد السائدة لدى كتاب النمط المطول و النمط المشروح؛ فإذا كانت سيرة ابن هشام تنتهى بوفاة النبي (ص) فإنها قد توقفت عند القصائد التى قيلت في رثائه، بينما وضع ابن سيد الناس- قبل تقديمه واحدة الوفاة- أخبارا مختلفة عن الجوانب الاجتماعية و الأسرية للنبى كأولاده و أعمامه و أزواجه و أسرته و مواليه و كتابه و حراسه و جمل من صفاته و غيرها (٤٧)، و هذه هى نفسها الواحدات الصغرى التى ساقها الطهطاوى بعد ذكره الوفاة. و من اللافت أن المنطق الكامن خلف ذلك التنظيم الّذي قدمه الطهطاوى يبدو متصلا- بقوة- ببعض السير الغيرية التراثية، كما يرتبط أيضا بنظام الترجمة في بعض كتب التراجم العربية ككتاب الأغانى؛ فسيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزى (ت ٥٩٧ ه) تقوم على سرده وقائع حياته من مولده إلى توليه الخلافة عبر تتابع زمنى محكم، ثم تلجأ إلى السرد القائم على الموازاة بين عرض سلوكه و تصرفاته من ناحية و صفاته و سماته من ناحية أخرى، مما يخرق الترتيب الزمنى لسرد الوقائع الّذي تجلى في الواحدات الأولى. و لا تمثل حادثة مقتل عمر نهاية السيرة إذ تتلوها مجموعة من الواحدات التى يقدم فيها المؤلف عددا من الواحدات أو الموضوعات المتصلة بعمر كبعض صفاته، و بكاء الناس عليه، و المنامات التى رآها أو التى رؤى فيها، و ذكر ثناء الناس عليه (٤٨).