نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٢ - تقديم رفاعة الطهطاوى و مدخل حديث لكتابة السيرة النبوية
أنماط كتابة السيرة النبوية بوصفها نصّا سرديا، و ليساهم، من ناحية ثالثة، فى إنشاء تقاليد كتابة بعض الأنواع السردية الحديثة في الأدب العربى.
و بقدر ما تكشف النواحي الثلاث السابقة عن منحى التجديد الأدبى لدى الطهطاوى فإنها تتطلب إضاءة عدة أطر تتمثل في أنماط كتابة السيرة النبوية- بوصفها نصا سرديا- لدى السابقين على الطهطاوى، و علاقة كتابة الطهطاوى السيرة بلحظة نشأة الأنواع السردية الحديثة في الأدب العربى، و وعى الطهطاوى بالأشكال السردية العربية الوسيطة، و مستويات تلقى نص الطهطاوى و دور الوسيط الثقافى الّذي نقله إلى المتلقى في تحديد طرائق التلقى، و علاقة كتابة الطهطاوى بالموقف أو الرسالة التى ضمّنها تلك الكتابة.
و ستتبدى طبيعة كتابة الطهطاوى عبر الأطر المختلفة التى نضع" نهاية الإيجاز" فى سياقاتها المتداخلة و المتفاعلة معا.
(٢) مرّ متن السيرة النبوية بمراحل متعددة و متشابكة، و متوالية أيضا، إلى أن استوى نصّا سرديا مكتملا؛ إذ شكلت المرويات التى رواها بعض الصحابة عن حياة النبي (ص) و صفاته و سلوكه المادة الأولى لمتن السيرة، و طوال القرنين الأوّل و الثانى الهجريين برزت أسماء بعض التابعين- مثل عروة بن الزبير و عاصم بن عمر بن قتادة و الزهرى و عبد الله ابن أبي بكر و غيرهم- ممن تخصصوا في رواية أخبار النبي. و قد وازى تطور الاهتمام بجمع أخبار النبي التطور في علوم الحديث و التفسير و التاريخ (٦) و هذا ما برز، منذ بداية القرن الثالث الهجرى، إذ توزع الاهتمام بسيرة النبي بين أصحاب كتب طبقات المحدثين، من ناحية و كتّاب التاريخ العام من ناحية ثانية، و كتّاب سيرة النبي من ناحية ثالثة. فابن سعد (ت ٢٣٠ ه) صاحب (الطبقات الكبرى) قد دوّن سيرة النبي في الأجزاء الأربعة الأولى من كتابه، حيث كان يعنون الفقرات، ثم يسوق داخل كل فقرة مجموعة المرويات: أي الأحاديث و الأخبار التى تقع في دائرتها، و لا يكاد يقدم رأيا فيما يرويه (٧). على حين أصّل الطبرى (ت ٣١٠ ه) فى كتابه (تاريخ الرسل و الملوك) تقليدا يتمثل في تقديم