تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ٣٦٦
إبراهيم البوشنجي يقول أفخر بيت قيل في الإسلام قوله بغيض الأنصاري يوم بدر :
|
وببئر بدر إذ نردّ وجوههم |
|
جبريل تحت لوائنا ومحمد [١] |
وقال قتادة وابن إسحاق. قال إبليس : (إِنِّي أَرى مالا تَرَوْنَ) وصدق الله في عدوّه ، وقال : (إِنِّي أَخافُ اللهَ) ، وكذب عدوّ الله ، والله ما به مخافة الله ولكن علم أنّه لا قوة له ولا منعة فأيّدهم وأسلمهم ، وذلك عادة عدو الله لمن أطاعه ، حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم وتبرّأ منهم.
قال عطاء (إِنِّي أَخافُ اللهَ) أن يهلكني فيمن هلك ، وقال الكلبي : خاف أن يأخذه جبرئيل ويعرّفهم حاله فلا يطيعوه من بعد ، وقال معناه : (إِنِّي أَخافُ اللهَ) ، أي أعلم صدق وعده لأوليائه لأنه على ثقة من أمره.
قال الأستاذ الامام أبو إسحاق ، رأيت في بعض التفاسير : (إِنِّي أَخافُ اللهَ) عليكم (وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ). قال بعضهم هذا حكاية عن إبليس ، وقال آخرون : انقطع الكلام عند قوله : (إِنِّي أَخافُ اللهَ) قال الله (وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ).
إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدجر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة ، وما ذاك إلا لمّا رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر» [٢٣٨] ، وذلك أنه رأى جبرائيل وهو يزع الملائكة [٢].
(إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) شك ونفاق (غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ) يعني المؤمنين هؤلاء قوم بمكة مستضعفين حبسهم آباؤهم وأقرباؤهم من الهجرة ، فلمّا خرجت قريش إلى بدر أخرجوهم كرها ، فلمّا نظروا إلى حلة المسلمين ارتابوا وارتدّوا وقالوا : (غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ) فقتلوا جميعا منهم : قيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة المخزوميان والحرث بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب ، وعلي بن أمية بن خلف ، والعاص بن منبه بن الحجاج والوليد بن عتبة وعمرو بن بن أمية ، فلما قتلوا مع المشركين ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم فذلك قوله تعالى : (وَلَوْ تَرى) تعاين يا محمد (إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ) أي يقبضون أرواحهم ببدر (يَضْرِبُونَ) حال أي ضاربين (وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ) قال سعيد بن جبير ، ومجاهد : يريد أستاههم ولكن الله تعالى كريم [يكني].
وقال مرّة الهمذاني وابن جريج : (وُجُوهَهُمْ) ما أقبل عنهم ، (وَأَدْبارَهُمْ) ما أدبر عنهم ،
[١] انظر البداية والنهاية لابن كثير : ١ / ٣٩١ ، وقد نسب البيت فيه إلى حسّان بن ثابت. ونسبه البكري الأندلسي لكعب بن مالك انظر : معجم ما استعجم : ١ / ٢٣٢.
[٢] تفسير القرطبي : ٢ / ٤١٩ ، وتاريخ دمشق : ٤٣ / ٥٣٩ ، وموطأ مالك : ١ / ٤٢٢ ، ح ٢٤٥.