تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ٣٣٢
أراد ردفت جاءت بعدها ، لأن الجوزاء تطلع بعد الثريا ومن فتح فعلى المفعول ، أي أردف الله المسلمين وجاءهم به فأمدّهم الله بالملائكة ونزل جبرئيل في خمسمائة ملك مجنبة على الميمنة فيها أبو بكر ـ رضياللهعنه ـ ونزل ميكائيل في خمسمائة على الميسرة وفيها عليّ ـ كرّم الله وجهه ـ وهم في صورة الرجال عليهم ثياب بيض ، وعمائم بيض أرخوا ما بين أكتافهم ، فقاتلت الملائكة يوم بدر ولم تقاتل يوم الأحزاب ولا يوم حنين ولا تقاتل أبدا إنّما يكونون حددا أو مددا.
وقال ابن عباس : بينما رجل من المسلمين يشتدّ في أثر رجل من المشركين إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت لفارس يقول قدم حيزوم ونظر إلى المشرك أمامه خرّ مستلقيا ، فنظر إليه فإذا هو قد حطم وشق وجهه كضربة السوط فجاء الرجل فحدّث بذلك رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : «صدقت ذلك من مدد السماء» فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين [٢١٨].
قال مجاهد : ما مدّ النبيّ صلىاللهعليهوسلم فيما ذكر الله تعالى غير الألف من الملائكة (مُرْدِفِينَ) التي ذكر الله في الأنفال وأمّا الثلاثة والخمسة فكانت بشرى (وَما جَعَلَهُ اللهُ) يعني الإمداد.
الفراء : يعني الأرداف.
(إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً) قرأ مجاهد وابن كثير وأبو عمرو : يَغْشيكم بفتح الياء النعاسُ رفع على أن الفعل له واحتجّوا بقوله في سورة آل عمران (أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ) [١] فجعل الفعل له.
وقرأ أهل المدينة يُغْشِيكُمُ بضم الياء مخففة على أن الفعل الله عزوجل ليكون موافقا لقوله ((وَيُنَزِّلُ) و (لِيُطَهِّرَكُمْ)) واحتجّوا بقوله تعالى (كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ) [٢].
وقرأ عروة بن الزبير والحسن وأبو رجاء وعكرمة والجحدري وعيسى وأهل الكوفة : (يُغَشِّيكُمُ) بضمّ الياء مشدّدا.
فاختاره أبو عبيد وأبو حاتم : لقوله (فَغَشَّاها ما غَشَّى) [٣] والنعاس النوم تخفيف. وقال أبو عبيدة : هو ابتداء القوم : (أَمَنَةً) بفتح الميم قراءة العامّة ، وقرأ أبو حياة وابن محيصن : أَمْنَةً بسكون الميم وهو مصدر قولك : أمنت من كذا أمنا وأمنة وأمانة وكلّها بمعنى واحد فلذلك نصب.
قال عبد الله بن مسعود : النعاس في القتال أمنة من الله عزوجل وفي الصلاة من الشيطان
[١] سورة آل عمران : ١٥٤.
[٢] سورة يونس : ٢٧.
[٣] سورة النجم : ٥٤.