تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ٣٧
مصر فجسرهم سنة وكانت أمّه عنق ويقال عناق إحدى بنات آدم ، ويقال : إنّها كانت أوّل من بغت على وجه الأرض وكان كل إصبع من أصابعها ثلاثة أذرع وذراعين ، وفي كل إصبع ظفران حديدان مثل المنجلين. وكان موضع مجلسها جريبا من الأرض. فلمّا بغت بعث الله عزوجل عليها أسدا كالفيلة وذئبا كالإبل ونسورا كالحمر وسلّطهم عليها فقتلوها وأكلوها.
قالوا : فلما لقيهم عوج وعلى رأسه حزمة حطب أخذ الإثني عشر فجعلهم في حجزته.
وحجزة الإزار معقد السراويل التي فيها التكّة. فانطلق بهم إلى امرأته وقال : أنظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا ، فطرحهم بين يديها.
وقال : ألا أطحنهم برجلي ، فقالت امرأته : لا بل خلّ عنهم حتّى يخبروا قومهم بما رأوا ، ففعل ذلك فجعلوا يتعرّفون أحوالهم ، وكان لا يحمل عنقود عنبهم إلّا خمسة أنفس منهم في خشبة ويدخل في شطر الرّمانة إذا نزع حبّها خمسة أنفس أو أربعة ، فلمّا خرجوا قال بعضهم لبعض : يا قوم إنّكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارتدّوا عن نبي الله ولكن اكتموا وأخبروا موسى عليهالسلام وهارون فيكونان هما يريان رأيهما ، فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك. ثم انصرفوا إلى موسى وحاول بحبّة من عنبهم وفرّ رجل منهم ، ثم إنّهم نكثوا العهد ، وكل واحد منهم نهى سبطه عن قتالهم ويخبرهم بما رأى ، إلّا رجلان منهم يوشع وكالب [١] ، فذلك قوله تعالى (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً).
وقال الله لبني إسرائيل (إِنِّي مَعَكُمْ) ناصركم على عدوّكم.
ثم ابتدأ الكلام فقال عزّ من قائل : (لَئِنْ أَقَمْتُمُ) يا معشر بني إسرائيل (الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) أي ونصرتموهم ووقرتموهم.
وأشعر أبو عبيدة :
|
وكم من ماجد منهم [٢] كريم |
|
ومن ليث يعزّر في الندي [٣] |
ويروى : وكم من سيّد يحصى نداه ومن ليث.
(وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً) ولم يقل أقراضا ، وهذا مما جاء من المصدر بخلاف المصدر كقوله (فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ) [٤] (لَأُكَفِّرَنَ) لأستبرأنّ ولأمحونّ (عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) أي أخطأ قصد
[١] تفسير الطبري : ٦ / ٢٠٤ بتفاوت ، وتاريخ الطبري : ١ / ٣٠٢.
[٢] في المصدر : لهم.
[٣] تفسير القرطبي : ٦ / ١١٤ ، والندي : مجلس القوم ما داموا مجتمعين فيه.
[٤] سورة آل عمران : ٣٧.