المحكم والمحيط الأعظم - ابن سيده - الصفحة ٤٧٧
قال : وقرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى فى تفسير « أن تقرآن » ، قال : شبه أنْ بما ، فلم يُعملها فى صلتها ، وهذا مذهب البغداديّين ، قال : وفى هذا بُعْدٌ ؛ وذلك أنَّ (أنْ) لا تقع ـ إذا وصلت ـ حالاً أبدًا ؛ إنما هى للمضى أو الاستقبال ؛ نحو : سرنى أنْ قام زيد ، ويسرنى أنْ يقوم ، ولا تقول : يسرنى أن يقوم وهو فى حال قيام. و « ما » إذا وصلت بالفعل فكانت مصدرًا فهى للحال أبدًا ، نحو قولك : ما تقوم حسن ، أى : قيامك الذى أنت عليه حسن ؛ فيبعد تشبيه واحدة منهما بالأخرى ، وكل واحدة منها موقع صاحبتها ، ومن العرب من ينصب بها مخففة ، وتكون إنَ فى موضع « أَجَلْ ».
وحكى سيبويه : ائْتِ السوقَ أنَّك تشترى لنا شيئًا ؛ أى : لَعَلَّكَ ، وعليه وجه قوله تعالى : (وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) [الأنعام : ١٠٩] إذ لو كانت مفتوحةً عَنْهَا لكان ذلك عذرًا له ، قال الفارسى : فسألت عنه ـ أَوَانَ القراءة ـ أبا بكر فقال : هو كقول الإنسان إنَ فلانًا يقرأ ولا يفهم ؛ فتقول أنت : وما يدريك أنه لا يفهم ، وتبدل من همزة أنَ مفتوحةً عَيْنٌ فيقال : علمت عَنَّك منطلق.
وقالوا : لا أَفْعَلُهُ ما أَنَ فى السماء نجم ، وما أَنَ فى الفرات قطرة ؛ أى : ما كان ، وحكى اللحيانى : ما أنَ فى فراتٍ قطرةٌ ، وقد ينصب ؛ ولا أفعَلَهُ ما أنَ السماءَ سماءٌ ، قال اللحيانى : ما كان ، وإنما فسره على المعنى.
* وأَنَّى : كلمة معناها : كيف ، ومِنْ أَيْنَ.
ومن خفيف هذا الباب
أ ن
* إنْ : بمعنى ما فى النفى ، وتُوصَلُ بها ما زائدة ، قال زُهَيْرٌ :
|
مَا إِنْ يَكَادُ يُخَلِّيهم لِوِجْهَتِهمْ |
تَخالُجُ الأَمْرِ إِنَّ الأَمْرَ مُشْتَرَكُ[١] |
وقوله أنشده سيبويه :
|
وَرَجِّ الفَتَى للخَيْرِ مَا إِنْ رَأَيْتَهُ |
عَلَى السِّنِّ خَيْرًا لا يزالُ يَزيدُ[٢] |
فإنما دخلت « إنْ » على « ما » وإن كانت « ما » هنا مصدرية لشبهها لفظا بما النافية التى تُؤَكَّدُ
[١]البيت لزهير بن أبى سلمى فى ديوانه ص ١٦٥ ، ولسان العرب (أنن) ، وتاج العروس (أنن) ؛ والخصائص ٢ / ٢٨٣.
[٢]البيت للمعلوط القريعى فى شرح التصريح ١ / ١٨٩ ، ولسان العرب (أنن).