اجوبة المسائل الشرعيّة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٢ - ١٤- الإسلام والشفاعة
وهذه شفاعة مرفوضة والأمل بهذه الشفاعة يدفع بالأفراد إلى عدم التورع عن ارتكاب أيّة جناية، ومن المسلم به أنّ الآيات لا تنشد مثل هذه الشفاعة التي يدينها العقل والمنطق. أما إن شمل بعض المذنبين بشفاعة الشفعاء يوم القيامة لإيمانهم باللَّه وعلاقتهم بأوليائه، فإنّ هذه الشفاعة لا تنطوي على أي ظلم، بل هي عين العدل ووسيلة تربوية وعودة الأفراد المذنبين عن حالة التذبذب.
وتوضيح ذلك: إنّ شفاعة أولياء اللَّه كما يصرح القرآن تتوقف على إذن اللَّه وليس لأحد من شفاعة دون إذن اللَّه تعالى. ومن هنا يتضح أنّ إذن اللَّه سبحانه ليس اعتباطاً، وهذا الإذن يشمل من يستحق العفو والصفح، وإن قارف بعض الذنوب فإنّها لا تصل إلى حدّ الطغيان والتجبر، وإن ضعفت علاقته باللَّه فهي لم تنقطع. وعليه فالبشارة بالشفاعة بهذا المعنى تحذير للأفراد الذين يقارفون أحياناً بعض المعاصي بالعودة إلى ذاتهم والكفّ بأسرع وقت عن ممارساتهم وديمومة علاقتهم بربّهم وعدم الابتعاد عن قبس الشفاعة، وإلّا فليس هنالك من سبيل للنجاة. ولا يخفى تأثير هذا الشعور في عودة الأفراد إلى الطريق المستقيم وإعادة النظر في أعمالهم الخاطئة، فهو بمثابة الأمل في إضاءة الحياة ممّا علق بها من ظلام.
وقد دلت التجربة على أنّ نافذة الأمل إن فتحت بوجه المجرمين وشعروا بالأمل أو النجاة إن هم أعادوا النظر في أعمالهم الخاطئة فإنّ أغلبهم سوف يقلع عمّا هو عليه ويعود إلى رشده وصوابه. ولعلنا نلمس ذلك في قوانين العقوبات العالمية التي تتضمن قوانين العفو عن السجناء وكبار المجرمين المحكومين بالسجن المؤبد، وسرّ ذلك فسح المجال أمام الآخرين للكفّ عن أخطائهم، ولولا هذا الأمل لما كان هناك ما يدعو هؤلاء الأفراد للاقلاع عن الجريمة.
فالشفاعة بالنسبة للأفراد المستحقين لا تعدو كونها بارقة أمل بغية إعادة النظر في الحياة الدينية والأخلاقية، وتختص بأولئك الذين أبقوا على علاقتهم باللَّه وأوليائه، بينما لا تشمل هذه الشفاعة أولئك الذين أدبروا عن اللَّه وأفنوا أعمارهم في مقارفة الذنوب والمعاصي. ويمكن بيان الفارق بين هذين الصنفين بالمثال التالي: أفرض أنّ جنوداً أُمروا