اجوبة المسائل الشرعيّة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٨ - ٩- هل عصمة الأئمّة فضل؟
العصمة معلولة لعلمنا بمثل هذه الأعمال؛ مثلًا إذا كانت هنالك دولتان متخاصمتان ومتجاورتان بحيث ينتشر بينهما حرس حدود كل منهما ويستفيدون من الأضواء الكاشفة والكلاب البوليسية وربّما تزرع كل منهما الألغام على أراضيها، فإنّ أحداً من الناس لا يفكر في تجاوز هذه الحدود فضلًا عن الأقدام عملياً على تجاوزها كونها تكلفه حياته؛ وعليه فلدى الإنسان عصمة إزاء هذا العمل. وأقرب من ذلك مثلًا هنالك عصمة يتحلى بها الإنسان إزاء شرب السم أو الإمساك بالسلك الكهربائي أو تناول الطعام المتبقي من شخص مريض مصاب بمرض الجذام أو السل، سيما إن كان له علم بعدوى المرض، فهو لا يقترب قط من هذه الأعمال، وصدور مثل هذه الأعمال من الإنسان يبدو محالًا عادياً، وسبب هذه العصمة تجسد لوازم تلك الأعمال، فهذه اللوازم تخترق بصره وبصيرته بحيث لا يفكر في القيام بهذه الأعمال، فضلا عن ارتكابها.
وإننا لنلاحظ بعض الأفراد الذين لا يتحرجون من أكل مال اليتيم، ولكن هنالك بالمقابل من يتحرز عن أكل دينار من الحرام؛ فلم لا يحتفظ الأول عن أكل مال اليتيم بينما يأبى الثاني ما دون ذلك؟ طبعاً سبب ذلك أنّ الشخص الأول إمّا أنّه لا يؤمن أصلًا بتبعات هذا النوع من العصيان، أو حتى وإن امتلك الإيمان والاعتقاد، فإنّ حبّه للماديات تحول إلى حجاب غليظ ضرب على بصيرته بحيث يحول دون رؤيته لتلك الآثار والتبعات؛ أمّا الشخص الثاني فله إيمان راسخ بتبعات الذنب بحيث يرى كل قطعة من مال اليتيم جمرة من جهنم، وليس هناك من عاقل يأكل نارا؛ ذلك لأنّه يرى بعلمه الثاقب وبصيرته كيف تتبدل تلك الأموال إلى نيران محرقة، وعلى هذا الضوء تكون له عصمة من ذلك الذنب. والقرآن يصف أولئك الذين يخزنون الذهب والفضة ولا يخرجون حقوقها الشرعية بأنّها تحمى بجهنم يوم القيامة لتسلط على وجوههم وجباههم وظهورهم «يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِانفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ». [١]
[١] سورة التوبة، الآية ٣٥.