اجوبة المسائل الشرعيّة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥ - ١٤- ما معنى القضاء والقدر؟
وليس هنالك من فعل من أفعال الإنسان خارج عن دائرة قضاء اللَّه؛ فإنّ زرع بذور الخير حصد خيراً بقضاء اللَّه، وإن زرع بذور الشر والنفاق سيذوق مرارة ما زرع بقضاء اللَّه، ولا يخرج أي من أفعاله الخيرة والشريرة عن دائرة قضاء اللَّه وقدره.
القضاء والقدر في صدر الإسلام:
لقد أدرك المسلمون في صدر الإسلام مسألة القضاء والقدر بحيث لم يعتبروها منافية لإختيار الإنسان وحريته في صنع مصيره. فقد ورد بشأن الفتوحات الإسلامية أنّ الخليفة الثاني بلغ الشام فأخبر بانتشار الوباء، فأشار عليه صحبه بالعودة، وكان يهم بالعودة، فاعترض عليه أحدهم أتفرّ من قضاء اللَّه؟ قال: أفر بأمر اللَّه من قدر إلى آخر. فقال أحدهم سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال: «إن ظهر الطاعون في منطقة ولم تكن فيها فلا تدخلها، وإن كنت هناك فلا تخرج منها» (حذراً من نقله إلى الآخرين) [١].
ويستفاد من هذا أنّ الإعتقاد بالقضاء والقدر لا يتنافى وقضية الإختيار والحرية والإرادة، وهنالك بون شاسع بين مسألة الجبر، وإن ذهب بعض المستشرقين إلى أنّ نتيجة الإعتقاد بالقضاء والقدر جبر آخر، فإنّما يعزى ذلك إلى عدم إدراكهم لمضمون المفاهيم الإسلامية فضلا عن عدم إمتلاكهم أهلية أصدار الأحكام بشأن بعض الأمور الحساسة. فقد قال «آلبرماله» في تاريخه:
لم يكن الإسلام أوائل عهده سوى الإيمان بالتوحيد والنبوة، وصرح المتكلمون لاحقاً أنّ اللَّه حدد مصير كل إنسان ولا تغيير في مشيئته، وهذا ما يصطلح عليه بالجبر [٢].
وقال غوستاولبون: ما ورد في القرآن من آيات في القضاء والقدر ومذهب الجبر، والإنسان الذي يؤمن بالقدر كمن علق في الهواء لتبعث به الريح هنا وهناك؛ والإيمان بالقدر
[١] تاريخ الطبري، ج ٤، ص ٥٧ طبعة دار المعارف، شرح حوادث عام ١٧ ه؛ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٨، ص ٣٠٠.
[٢] تاريخ آلبرماله، ج ٣، ص ٩٩.