اجوبة المسائل الشرعيّة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٢ - ١٩ هل يحتاج العالم في بقائه إلى اللَّه؟
الفلاسفة القدماء، وظنوا أنّ أي موجود لا يحتاج إلى علة لوجوده كالعمارة التي لا تحتاج في بقائها إلى المعمار والبناء! فإنّ وردت الشبهة بهذه الصيغة فإنّ الإجابة عنها واضحة.
فبقاء موجود غير ظهور وجوده.
وبعبارة أوضح: وجود أي شيء في أي زمان غير وجوده في زمان ولحظة أخرى.
وبقاء الموجودات في مسيرة الزمان مثل بقاء شكل النهر الذي تستبدل ذرات مياهه دائما، بينما تبقى صورته الظاهرية. بعبارة أخرى: كما أنّ الموجود يتألف من أجزاء وكل جزء لا يكون دون علة، فإنّ له من حيث الزمان امتداداً وعمراً يحتاج في كل لحظة إلى علّة، وعليه فالشيء الذي لا يحتاج في ديمومته إلى علة لابدّ أن لا يحتاج إليها في ظهوره، ذلك لعدم وجود فارق بين اللحظة الأولى والقادمة.
دعني أفصل لك أكثر وأوضح:
على ضوء آخر التحقيقات لفلاسفتنا القدماء والمعاصرين- في بحث الحركة الجوهرية وبحث النسبية- فإنّ الزمان البعد السابع للأشياء، وعليه كما يمكن أن يختلف بعد شيئين من حيث الطول والعرض والعمق- أحدهما أكبر والآخر أصغر- كذلك يمكن أن يختلفا من حيث الزمان. وكما يستحيل كبر وصغر أي من أبعاد الجسم دون علة، فإنّ مقدار طول زمان وعمر الأشياء والحوادث بحاجة إلى علة. إذن إن قلنا إنّ الشيء لايحتاج في بقائه إلى علة، كأننا قلنا إنّ الجسم الذي يبلغ طوله مئة متر إنّما يحتاج في المتر الواحد إلى من يوجده والتسع وتسعون متراً الآخر تتولد تلقائياً، فهل هنالك من يقر بهذا؟
وأمّا بشأن المثال السفسطائي «الساعة وصانعها» وأمثال ذلك فلابدّ من الإلتفات إلى أنّ الساعة إنّما تحتاج في وجودها إلى علّة كما تحتاج في ديمومة عمرها إلى العلة، فهي تحتاج في وجودها إلى الصانع، أمّا في ديمومة وجودها فإنّها تستمد ذلك من خصائص مكوناتها؛ أي الفلزات المستعملة فيها والتي تمنحها العمر، ومن هنا هنالك فارق في عمر الساعات على ضوء اختلاف موادها، وهذا دليل واضح على أنّها تحتاج العلة في وجودها وديمومتها.