عيون أخبار الرضا(ع) - الشيخ الصدوق - الصفحة ١٥٦
يوجد في الاخرة ابدا ولكن القوم تاهوا وعموا وصموا عن الحق من حيث لا يعلمون وقوله عز وجل: (ومن كان في هذه اعمى فهو في الاخرة اعمى واضل سبيلا) (١) يعنى اعمى عن الحقائق الموجودة وقد علم ذووا الالباب ان الاستدلال على ما هناك لا يكون إلا بما هيهنا ومن اخذ علم ذلك برايه وطلب وجوده وادراكه عن نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك إلا بعدا لان الله عز وجل جعل علم ذلك خاصه عند قوم يعقلون ويعلمون ويفهمون قال عمران: يا سيدى الا تخبرني عن الابداع اخلق هو ام غير خلق؟ قال الرضا عليه السلام: بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون وإنما صار خلقا لانه شئ محدث والله تعالى الذي احدثه فصار خلقا له وإنما هو الله عز وجل وخلقه لا ثالث بينهما ولا ثالث غيرهما فما خلق الله عز وجل لم يعد ان يكون خلقه ويكون الخلق ساكنا ومتحركا ومختلفا ومؤتلفا ومعلوما ومتشابها وكل ما وقع عليه حد فهو خلق الله عز وجل. واعلم ان كل ما اوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس وكل حاسه تدل على ما جعل الله عز وجل لها في ادراكها والفهم من القلب بجميع ذلك كله. واعلم الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد وتقدير وكان الذي خلق خلقين اثنين التقدير والمقدر وليس في كل واحد منهما لون ولا وزن ولا ذوق فجعل احدهما يدرك بالاخر وجعلهما مدركين بنفسهما ولم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذى اراد من الدلاله على نفسه واثبات وجوده فالله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثانى معه يقيمه ولا يعضده ولا يكنه والخلق يمسك بعضه بعضا باذن الله تعالى ومشيئته وإنما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيروا وطلبوا الخلاص من الظلمه بالظلمة في وصفهم الله تعالى بصفة انفسهم فازدادوا من الحق بعدا ولو وصفوا الله عز وجل بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين ولما اختلفوا فلما طلبوا من ذلك ما تحيروا فيه ارتكبوا والله يهدى من يشاء الى ١ - سورة الاسراء. الاية ٧٢.