شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٩
والمجلل: السحاب الذي يجلل الأرض بالمطر ويعمها فقد شبه الإمام من حيث أنه مظهر لحقائق الإسلام ومبين لما هو المقصود منها ومنور لعالم قلوب المؤمنين برفع الحجاب والغشاوة عنها بالشمس الطالعة المنورة بنورها للعالم الحسي تشبيها للمعقول بالمحسوس لزيادة الإيضاح وكما أن الشمس في الأفق الحسي بحيث لا تنالها أيدي العباد لارتفاعها ولا أبصارهم لكثرة ضيائها إذ الضوء الساطع يمنع من مشاهدة ما وراءها كذلك الإمام في الافق العقلي وهو افق العقول بحيث لا تناله أيدي الأوهام والخيالات ولا أبصار العقول لارتفاع قدره وكمال نوره وقد مر أن الحواس والعقول قاصرة عن إدراك حقيقة الإمام وصفاته والكلام بهذا التفسير مبني على التشبيه المصطلح ولك أن تجعله استعارة تمثيلية. قوله: (الإمام البدر المنير - الخ) الزاهر المضئ يقال: زهرت النار زهورا أي أضاءت والنور هو الظاهر بنفسه والمظهر لغيره، والساطع: المرتفع، والسطيع: الصبح لأنه يسطع عن الافق والغياهب: جمع الغيهب وهو الظلمة، والدجى: جمع الدجية بالضم وهي الظلمة وقد يعبر بها عن الليل فالإضافة إما بيانية أو بتقدير " في ". والأجواز بالجيم والزاي المعجمة جمع الجوز: وهو وسط كل شئ والجيزة: الناحية، والمراد بها من ما بين البلدان من القفار والقفار بدل منها وأما جعلها جمع الحوزة بالحاء المهملة بمعنى الناحية فهو بعيد لفظا لأنه لم يثبت جمعها كذلك. إذا عرفت هذا فنقول قوله " غياب الدجى " ناظر إلى البدر المنير والسراج الزاهر لتناسب بينهما وبين الليل والمراد أن الإمام كالقمر والسراج المنيرين في غياهب الطبايع البشرية وظلمات العوالم الناسوتية في الاهتداء به إلى المقاصد الدنيوية والاخروية وقوله " أجواز البلدان والقفار " ناظر إلى النور الساطع والمراد أن الإمام كالنور الساطع مثل الصبح إذ به يمكن سير ما بين كل مقامين من المقامات النفسانية. = مهنته وكل يستحسنه ولم يأت أحد بمثله وكذلك سائر علوم الأئمة (عليهم السلام) ومع ذلك فاعتقادنا أن في كل زمان يوجد رجل بهذه الصفات التي يشترط في الإمام لحاجة الناس إلى مثله وعدم إخلال لطف الله تعالى وحكمته بهذا الواجب كما مر والاحتياج إليه كاحتياج الضال في البحر أو البر إلى هاد والظمآن إلى ماء بارد إلى آخر ما قال (عليه السلام) وكما أنه لم يهمل أمر السحاب والغيث وخلق الشمس والسماء والأرض والعيون والغدر والرياض وطبع في قلب الوالدين البر بالولد والمحبة كيف يمكن أن يهمل أمر الإمامة ولا يخلق رجلا بصفاتها مع أن احتياج الناس إليه أشد من احتياجهم إلى ما ذكر. (ش) (*)