شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٨
المواعظ والخطابيات المقنعة وإن كان صعبا يفتقر إلى استعمال البراهين القاطعة. قوله: (الإمام كالشمس الطالعة المجللة) (١) يقال: جلل الشئ تجليلا أي عمه وأحاطه، = نر من غير المعصومين المتصدين للخلافة ما شرطه الإمام (عليه السلام) هنا ولا ما يستحسنه العقل وبعد اشتراط العصمة ترتفع هذه الشبهة بتا. ثم أن قوله: " يحرم حرام الله - الخ " يدل على أن إمامة المعصوم ليس بمعنى الحكومة المطلقة التي يستبشعها جميع الأمم فإنها مقيدة بأحكام الله وليس للإمام أن يحكم إلا بحكمه تعالى وحكم الله تعالى هو الذي قبله العامة وأكثر رعاياه وآمنوا به ويرونه سعادة في الدنيا والآخرة ولا فرق بينه وبين الحكومة الدستورية التي يراها أهل زماننا أحسن أنواع الحكومة والفرق أن الحكومة الدستورية مقيدة بآراء العامة والحكومة الإمامية مقيدة بأحكام الله التي آمن بها العامة أيضا وهي أحسن من الحكومة الدستورية البتة إذ اعتبر فيها مع رضا العامة موافقة أحكامها لإرادة الله الواقعية. (ش) ١ - " الإمام كالشمس الطالعة " لما ذكر (عليه السلام) شرائط الإمامة ووظائفها في حفظ الدين وصيانة أحكام الله تعالى وقد يذهب الوهم إلى أن هذا يمكن لعقلاء الناس الصلحاء العدول ويجوز أن يختاروا من علموا منه العلم والصلاح والقدرة والسياسة، بين (عليه السلام) بطلان هذا الوهم وأن هذه الشرائط بعيد المنال لا يمكن اجتماعها في آحاد الناس، وقد علمنا أن اجتماع الصفات الكثيرة في رجل بحيث يستأهل منصبا أو يتعهد وظيفة أقل كثيرا من وظائف منصب الإمامة أمر نادر غير محقق الوقوع إلا بعد طي قرون كشاعر فصيح عالم حكيم قادر على بث مكارم الأخلاق وغرسها في قلوب الناس، أو عالم ديني جامع بين المعقول والمنقول والحفظ ودقة النظر وذوق التفقه وقوة البيان والمهارة في صنعة التحليل والاقتصاد في الاستدلال بحيث ينتفع بكتبه فإنه قد لا يتفق بعد قرون وربما يرى العامة عالما في زمانهم ولا يحسبونه إلا كأحدهم ثم يمضي الزمان ويعلو شأنه كلما مضى وربما يمر مئات من السنين أو ألف ولا يظهر مثله ومثل كتبه فيعرف أنه كان بمقام شامخ بعيد المنال كالشمس والقمر والنجوم وكانوا يحسبونه قريبا منهم كما ظن فرعون أنه يقدر ببناء الصرح أن يطلع إلى السماء فلما بنى وعلا فوقه رآها كما كان يراها من الأرض وإذا كان هذا شأنه مثلا العلامة ونصير الدين الطوسي والمحقق والشهيد بل والفارابي وأبي علي بن سينا وأرسطو وإفلاطون فكيف بمقام الإمامة وشأنها ومنصبها فالإمام كالشمس يراها الناس قريبا منهم وهو في مقام ومكانة لا يقدر أحد مقدارها وهل يمكن لأحد غير أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يتكلم بما نقل في نهج البلاغه بحيث يخضع له البلغاء لبيانه والحكماء لبرهانه والفقهاء وسائر العلماء كل بما يناسب = (*)