تجلّي القرآن في نهج البلاغة - مصباح اليزدي، محمد تقي - الصفحة ٣٨ - الحكمة من بعض الابتلاءات
والعبودية والعمل بتعاليم أنبياء الله ودين الحق ، لكن الناس ينحرفون أحياناً عن جادة الحق نتيجة الذنب والمعصية ، فعندما يعيش الناس حالة الرفاه المادي ، بحيث لا يعانون مشكلةً من الناحية الاقتصادية والتنعّم باللذائذ المادية ، ويتوفر لهم ما يريدون ، قلّما يقبلون نحو الله والمعنويات ، وفي هذه الأثناء تضعف لديهم الخصائص الإنسانية والإلهية تدريجياً وبالتالي يطويها النسيان ، وفي خاتمة المطاف تتمهّد لديهم الأرضية للطغيان والكفر والضلال والانحراف .
يقول القرآن : ( إِنّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَآهُ اسْتَغْنَى ) [١] فالإنسان يطغى عندما يرى نفسه غنياً ، إذا ما أصبحت روح الاستكبار والطغيان هي الروح السائدة على الغالبية من المجتمع والأمّة ، فإنّ لطف الله وعنايته تستوجبان أن ينذر الناس ويوقظهم من سبات الغفلة ، بنحو يعيدهم إلى جادة الحق وطريق العبودية . ولغرض تحقّق هذه الغاية قد يُنزل تعالى الابتلاءات من قبيل الفقر والجفاف ، وفي المقابل يضع الاستغفار والتوبة من الذنوب والتوجه إلى الله والصلاة سبيلاً لعلاج هذه الابتلاءات ؛ ليتحقق في النهاية الهدف من الخلقة وهو هداية الناس وتكاملهم الاختياري .
إنّ هذه المعادلة من السُنن الإلهية العجيبة حيث كان يبعث نبياً ويبتلي أُمّته بأشد الابتلاءات ؛ لكي لا يغفلوا عن الله وعن طريق الحق ، ولا يصدهم الانغماس في اللذائذ المادية عن السعادة .
على أية حال إنّ نزول بعض الابتلاءات سبب في يقظة وانتباه الغافلين ؛ لأنّ الناس إنّما يدركون بشكل أفضل حاجتهم إلى الله في الظروف الصعبة ، ويصبحون أكثر استعداداً لتقبّل الحق وتعاليم الأنبياء ممّا عليه في حالة الترف ، يقول القرآن : ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيّ إِلاّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضّرّاءِ لَعَلّهُمْ يَضّرّعُونَ ) [٢] فنحن لم نبعث في قرية أو بلدٍ نبياً إلاّ وابتلينا أهل تلك القرية بالشدائد والابتلاءات والعذاب لعلّهم
[١] العلق : ٦ و ٧ .
[٢] الأعراف : ٩٤ .