تجلّي القرآن في نهج البلاغة - مصباح اليزدي، محمد تقي - الصفحة ٣٥ - القرآن دواء لأعظم الأدواء

بتشخيص أمراضكم البدنية ، ويكتب لكلّ منها دواء للشفاء منها ، ولا أن يتم تعلّم معادلات علاج الأمور من القرآن في مجال المشاكل الاقتصادية والعسكرية ، أو في الحقول الصناعية والتقنية ، كلا فلا يُفسّر كلامه ( عليه السلام ) بهذا المعنى مَن يتمتع بأدنى معرفة بالمعارف الدينية ، لأنّ علاج الأمراض الجسمية وحل سائر المشكلات يحتاج إلى أدواته وطرقه الطبيعية ، والقرآن الكريم ـ كما قيل آنفاً ـ يبيّن الخطوط العامة لعلاج هذه المشكلات ، والناس مكلّفون بحل مشكلاتهم وعلاج أدوائهم من خلال الالتزام بالخطوط العامة للقرآن ، واستثمار العقل والقابليات التي وهبها الله إيّاهم ، والاستفادة من تجارب العلوم البشرية ، وهنا نلفت اهتمام القرّاء الأعزّاء إلى أمرين هما :

الأَوّل : بالرغم من أنّ للأسباب والعلل الطبيعية والمادية معلولاتها ومسبباتها ، ولكن من الضروري الانتباه إلى هذه القضية وهي أنّ الله تبارك وتعالى علّة العلل لجميع الظواهر ، فهو الذي خلق نظام الكون على أساس العلاقة بين العلّة والمعلول ، وهو الذي يمدّ الأسباب والعلل بالسببية والعليّة ، وهذه إرادته التكوينية التي لولاها لا استقلال لأي فاعل في تأثيره بفعله ، بناءً على هذا لابد أن نتوجه بالأصالة إلى الله سبحانه وتعالى ، ونتطلع بأعين الأمل نحوه لعلاج كافة الأدواء وإزالة الابتلاءات والمشكلات ، ورغم لجوئنا إلى الأسباب والعلل الطبيعية لحل المشكلات والبرء من الأمراض ، لكنّه وبمقتضى التوحيد الأفعالي يتعيّن أن نعتبر ونتوقع الشفاء وحل المشكلات منه تعالى بالأصل .

الأمر الثاني : هو ينبغي عدم اعتبار طريق الوصول إلى حل المشكلات ، وعلاج الأمراض محصوراً بالأسباب العادية والطبيعية ، أي ليس الأمر إذا ما انعدمت الأسباب والعلل العادية والطبيعية ، أو انعدمت فاعليتها لحل المشكلات ، تنتفي إمكانية إزالة المشكلة أو الشفاء والبرء من الأمراض ، أو تحقق كل رغبة مشروعة وحقّة للإنسان ، فالله سبحانه وتعالى بخلقه لنظام العلة والمعلول لم يجعل نفسه عاجزاً عن